المنافسة على الهبوط (٨)
الاستسلام يبقى في الذاكرة أكثر من الهزيمة
-أنا مش مهتم بالنتايج..المهم عندي نبني هوية للفريق.
هكذا رد أمين عليَّ في اليوم التالي عندما سألته عن انطباعه حول أول خسارة نتلقاها. اجتمعتُ به قبل التدريب، ذهبتُ إلى الملعب قبل التدريب بحوالي ساعة كالعادة وقد قررتُ أن أصل لإجابة لكل الأفكار التي تشغل بالي، وليكن ما يكون. حتى لو كان ذلك هو يومي الأخير في النادي، أو آخر علاقة لي بكرة القدم. قطعتُ علاقتي بكرة القدم سابقًا ولم يحدث شيء..أو حدث لي الكثير، لكن على الأقل فهذه المرة لن أشعر بضياع شيء من يديَّ كما شعرتُ سابقًا. سلمتُ عليه، ودار الحديث بيننا حول المباراة التي خسرناها. لم أفهم ما الذي يعنيه بالهوية، مشكلة تلك الأجيال الجديدة أنهم يرددون الجُمل التي يسمعونها في الفقرات الرياضية في التلفزيون ويقرأونها في الجرائد. تلك مشكلة غير الممارسين لكرة القدم بشكل عام، أنهم يظنون تلك العبارات حقيقية، وذات معنى. الحديث حول صناعة "هوية" للفريق، وتحسين "الصورة الذهنية" وتلك الأفكار التي تتردد كثيرًا ويعرف كل ممارسو كرة القدم أنها لا معنى لها. إذا صنعت "هوية" لفريق، فأين ستذهب تلك "الهوية" حين نهبط إلى الدرجة الثالثة؟! هل ستؤثر في شيء؟! هل ستخافنا الفرق لأننا نملكُ هوية وهم لا يملكون؟
مشكلة عالم كرة القدم ذاك أنه مليء بالتفاهات. خلال طفولتي لم أكن أسمع من التلفزيون وكل من حولي أن "الكرة أجوان"، و"المكسب بيجيب مكسب" و"المكسب أحيانًا أهم من الأداء" لكن عندما لعبتُ كرة القدم بحق في ملاعب مساحة التراب فيها أكثر من مساحة النجيلة أدركتُ أن كل تلك العبارات مجرد خرافات لصناعة التسلية فقط. الواقع أن كرة القدم ليست مسلية دائمًا..كما توقعت.
-أنت جبتني معاك ليه؟ عشان أنا الوحيد اللي هيرضى يبقى طرطور صح؟
-بص الموضوع مش بالتصور الشرير ده. مش هكدب عليك، أكيد
حطيت في دماغي إن اللي هيجي..هيجي في ظرف استثنائي ووضع مش مريح، فلازم نختار حد يقبل بيه..
-وكان فيه حد غيري؟
-أكيد..بس تقدرتقول ده نصيبك.
صمت للحظة ثم تابع:
-أنا عارف إن الوضع ممكن يكون مش مريحك..بس مش لازم تحسبها كدا. هي خدمة احنا بنقدمهالك..أنت كنت بعيد عن الملعب بقالك كتير ومشتغلتش في الكورة ودي فرصة تشتغل وتعمل اسم..ومفيش مانع إن احنا كمان نستفيد من اسمك.
-طب وأنا مستفيد إيه لو نزلنا واسمي ده اتمسح!
-برضو أنت باصص على الموضوع من قريب، حاول تبص عليه من بعيد..الناس بتنسى بسرعة. وأنت ممعاكش عصاية سحرية زي ما هما فاكرين. هتتشتم شويه آه..لكن بعد كدا اللي هيتقال إنك حاولت والظروف كانت وحشة ومساعدتكش.
-بس الناس مبتنساش..
ضحك وقال:
-الناس لو مبتنساش مكنش زمانك قاعد على مكتب في الدور الأول في مبنى قديم بتمضي على ورق.
هززتُ رأسي ولم أجد ما أقوله. كان التدريب قد بدأ وكنتُ أتابعه بشحوب. أضم يديَّ وأضعهما خلف ظهري وأنا أسير بين الوحدات التدريبية للاعبين، وأصدر تعليقًا هنا أو هناك. أضع الصفارة في فمي وأُصفر لأوقف التدريب وأوجه اللاعبين حول قوة الشخصية عند فقد الكرة، وكيفية الوقوف والتحرك. تلك المهارات التي اكتشفتُ أنني ربما لم أتعلم سواها في الحياة. نظرات اللاعبين إليَّ لا تشعرني أنهم يصدقونني، إنهم بالتأكيد يفهمون أنني مجرد واجهة. أنا أيضًا عندما كنتُ لاعبًا استطعتُ بسهولة التمييز بين المدرب المستقل، والمدرب الذي تضعه الإدارة كفزاعة للاعبين في الملعب.
أخبرتُ أمين أنني أرى بضرورة التعاقد مع اللاعبين الناقصين قبل انتهاء فترة الانتقالات المسموحة. دخلت إليه من الباب الذي سيجعله يقتنع على الفور، أخبرته أننا بحاجة لتعاقدين آخرين حتى لا يظن الجمهور أننا لا نفعل ما يتوجب علينا فعله للنهاية. واقتنع بالفعل. في الأيام التالية لم أذهب للتدريب. أبلغتُ اللاعبين بذلك. وأمين لم أحتج إلى إبلاغه، كنتُ أعطيه ما يتمناه منذ البداية. لم أشغل بالي بما سيفعله. مع كل ما يحفظه داخل رأسه من خطط لها علاقة بكرة القدم، لا أرى أنه سيأتي بجديد. كنتُ أركز على إحضار اللاعبين الذين احتاجهما. ذهبتُ إلى طنطا على مدار أيام لمتابعة دورة للهواة تُقام في قحافة. كنتُ واثقًا بأني سأجد ما أبحث عنه هناك. لم أعتد فقط مشاهدة تلك الدورات وأنا صغير، بل كنتُ ألعب فيها بنفسي. أعرف مستوى اللاعبين، رغم اعتراف الجميع بموهبتي، لم أكن الأفضل بينهم. بل عادي. أفوز وأحيانًا أخسر. شاهدتُ أكثر من مباراة ووضعتُ عينيَّ على اثنين كنتُ واثقًا أن لديهما ما أبحث عنه. لم يتوقفا عن الركض. كنتُ أشاهد المباراة، فأعد المراوغات التي يصنعها كل لاعب وأدونها في ورقة.. أجمع الأكثر مراوغة..وأسأل عن مواعيد مبارياتهم القادمة دون أن يعرفوا بي أو بوجودي. وأتابع بقية مبارياتهم لأدون المراوغات. لا يهمني هنا تسجيل الأهداف..أو قطع الكرات..أو الركض..تهمني فقط المراوغات. القادر على المراوغة هنا يمكنك بسهولة أن تضعه في ملعب كرة قدم في اليوم التالي وتطلب منه أن يكون الأفضل. المساحة ضيقة..لا يمكن الاحتفاظ فيها بالكرة لعدد كبير من الثواني مما يعني أن القادر على المراوغة سريع بالكرة وخفيف الحركة. فضلًا عن الضرب الموجود في تلك المباريات..فالحكام هنا ليسوا محترفين، وإنما يُفضلون ترك مساحة للضرب من أجل اشتعال المباريات وزيادة المنافسة عليها. لا يتخذون قرارًا بإنذار لاعب سوى لو قرر اللاعب الحريف أن ينسحب ويقول إنه لن يلعب. لكن ذلك الاستعراض هنا لا يقدر عليه أحد، استسلامك في هذا الملعب وصمة يُذكرك الناس بها من السنة إلى السنة..الاستسلام يبقى في الذاكرة أكثر من الهزيمة.
الأول يُدعى علاء، طالب في المدرسة الميكانيكية، ويلعب كرة القدم لأنها توفر له دخلًا وفيرًا من المراهنات وجوائز الدورات. لا أعلم موقفه بالطبع من تفويت المباريات في مقابل المال، لكن تلك التهم تظل ملتصقة بالسمعة إن وجدت، ولم أسمع بذلك. عيبه الوحيد أنه يُدخن بشراهة..لكن معظم اللاعبين يدخنون. على الأقل هو من النوع المفيد. تعرفتُ عليه بنفسي وأخبرته بأنني أحتاجه ليلعب معنا. أبدى ضجره لأن وقت المباريات طويل، أطول من مباريات الشارع. بالإضافة إلى حاجته إلى السفر مع كل مباراة. أخبرته أنني سأضع ذلك في الحسبان عند تعيين المقابل المادي.
-مش على الفلوس..أنا مبحبش الفرهدة.
لكنه في النهاية اقتنع بوجهة نظري وبأن حياته قد تتغير من تلك اللحظة خاصة وأن سنه لم يتجاوز الثامنة عشر بعد ولديه فرصة للعب في أكبر الأندية لأن سنه صغير، فاقتنع وأخبرني أنه سينتظم في التدريب في اليوم التالي. الآخر أشرف، يعمل في مقهى. لكنه لا يدخن إطلاقًا. لا يملك طموحًا كبيرًا في اللعب. ربما لا يأخذ نصيبه من الرهان بعد كل مباراة رغم أن السبب الرئيسي من الفوز بها. بدأ اللعب في الدورات عندما رآه بعض الزبائن من اللاعبين وكانوا يحتاجون للاعب إضافي فأخذوه معهم. منذ ذلك الوقت وهو ضامن لمكانه بينهم في اللعب. رغم شروطه أن يكون اللعب قبل استلام ورديته أو بعد موعد إغلاق المقهى. عيبه الوحيد أن سنه يقترب من الثلاثين. سن صعب لإقناع أي متفرج بأن يشاهده ويحكم عليه، لأنه لو كان جيدًا للعب في سن أصغر. لكنه بمجرد أن يلمس الكرة يتغير رأيك مثلما تغير رأيي. لم آخذ وقتًا في إقناعه. وأخبرني أنه سينتظم في التدريب في اليوم التالي. وفي النهاية سجلت كلا اللاعبين وسط كشف طويل يُضاف إلى اسميهما أربعة لاعبين آخرين، لم يشارك منهم سوى واحد..والبقية يقتصر عملهم على القدوم للتدريب. شعرتُ أنني تصرفتُ تصرفًا صائبًا واحدًا وسط سلسلة من التصرفات غير المدروسة. واستطعتُ أن أنام بعمق بعدما أقنعتُ عقلي بتأجيل التفكير في الكوارث القادمة لحين حدوثها.

