ضيفنا الكريم الموت
(قصة مسرحية من 5 أجزاء، 3/5)
كان يقف أمام باب شقته ويستعد لإدارة المفتاح في الباب، لف رقبته وجسده يحتفظ بوضعه أمام الباب وقال بصوتِ بادِ على نبرته المرحة السُكر:
-إن من يملكنا جميعًا لا يقلق هكذا!
لم يفطنا لقصده، ودفع نصر جميلة تجاه شقتهما، لكنه التف وتابع موضحًا بعض ما التبس عليهما في الفهم:
-إنه خبير بتلك المواقف!
ثم دخل شقته دون إضاعة سُكره في محاولة استنطاق ملامح وجهيهما. في تلك اللحظة التي ارتمى فيها على أريكته، تذكر ما دار في البار من حوارٍ مع تلك الفتاة التي تعجبه، لكنه لا تؤاتيه الجرأة في كل مرة ليسألها عن اسمها. رغم جلوسه معها لأكثر من مرة، وحديثهما الذي لا يطول، لكنه لحسن الحظ استمر اليوم لساعاتٍ كانت ساعات مكوثه في البار كلها.
حياها من بعيد بكأسه كما هي عادته، ردت إليه التحية من طاولتها التي تجلس فيها مع صديقة لها، وقالت له:
-سمعتُ أن المندوب في بيتك..
لاحظت ملامح الدهشة البادية على وجهه، وتابعت:
-النادل أخبرني بكل شيء، لا يُبقون أسرار البار مع أصحابها أبدًا.
ثم ضحكت. لم يحسب حسابًا لتلك اللحظة المفاجئة. لم يتخيل أن ذلك ممكنًا، إنه لا يعرف اسمها، وذلك رد فعل طبيعي لظنه عدم معرفتها بوجوده في الحياة. يظنها دائمًا لا تلاحظه، ورغم إعجابه بها الذي يلاحظه الجميع من فرط وضوحه. لكنه لم يتجشم عناء التعرف إليها من قبل. يشعر أحيانًا أن طاقته للحياة جفت خلال عمله بالخارج ولا يعرف وصفة تعيدها إليه. لم يحاول معها. لكن الخمر الذي أسرف في شربه قدم إليه خدمة بدفعه للحديث، فقال:
-صحيح، يبدو أنكِ ماهرة في اصطياد الأخبار.
فقالت:
-الموتٌ هو الأمهر في اصطيادنا جميعًا.
وكانت صديقتها تلملم أغراضها من فوق الطاولة لترحل، فوجد نفسه يتقدم تجاهها رافعًا كأسه وهو يقول:
-في صحة الحياة.
صدمت كأسها بكأسه محدثة صوتًا ارتد صداه أكثر من مرة في عقله، وقالت وعلى شفتيها ضحكة تفيض دلالًا أنساه شقائه الشخصي:
-على رأيك.
في تلك اللحظات التي لم يجربها من قبل، اكتشف في نفسه الرغبة في خوض المزيد من المغامرات، الرغبة في اعتصار الحياة قبل أن تعتصر قلبه. تدخل الكحول الذي أفرط في شربه وجعله يُقنع نفسه بسيناريو جديد أمده بالطاقة. كممثلِ أعلن اعتزاله بحجة جمعه لما يكفيه من أموال ليعيش سعيدًا لسنوات. ثم عثر بالصدفة في ورقة جريدة طائرة على قصة لو صنعها فيلمًا لعاش في سعادة لم يذق طعمها من قبل.
تخيل نفسه في فيلم تقليدي قديم من أفلام السينما. شاب وفتاة يحبان بعضهما، يرى كل واحد في الحياة مع الآخر جانبًا لم يره من قبل، يحبان بعضهما ويتفقان على الزواج. لكن، يظهر فجأة الشرير الذي ينوي التفريق بينهما لأنه لا يحب الفتى.. يُعرضه للكثير من الصعاب ويتظاهر بالقرب منه. لكن الفتى اللماح يدرك بذكائه أن الرجل يخدعه، وأنه الشرير الذي يود التخلص منه، فيُعدُ خطة محكمة يتخلص بها من ذلك الشرير، ليعيش مع محبوبته في سعادة، قبل انتهاء الفيلم.
فكر في ذلك بينما هو ممدد على الأريكة، حتى غط في نوم عميق حلم فيها حلمًا جميلًا. رأى نفسه حليق اللحية يلبس بذلة رسمية ويستعد لزفافه، سمع طرقًا على الباب في الحلم فذهب ليفتحه. لكنه حينذاك لم يرَ من الطارق؟ بل استيقظ قبل أن يراه على صوت مزعج لطرق على باب قريب من شقته. أفاق فوجد نفسه على الأريكة بنفس ملابس الليلة الماضة. سحب سيجارة من علبة السجائر التي تركها على الطاولة وأشعلها، ثم تقدم من الشباك المطل على الساحة الداخلية للبيت، ليتيقن من سبب الصوت. فرأى أباه يفتح الباب ويستقبل مندوب الموت الذي جاءه في ساعة قريبة من الظهر مرتديًا بذلة رسمية.
أنهى رمزي السيجارة ووضعها في المطفأة وخرج من الشقة الخاصة به. هاجمته فكرة زيارة أخته في هذا الوقت. ذهب إليها وفتحت له الباب، سلّمت عليه، ثم أخذته ودخلا معًا إلى المطبخ.
-معذرة على انشغالي يا رمزي. أنت تعرف كل شيء. الأولاد اقترب موعد وصولهم من المدرسة ويجب أن يجدوا الطعام مُعدًا.
-لا داعي للاعتذار يا نور، من يجب أن يعتذر هو أنا على مجيئي في مثل هذا الوقت.
-لا عليك، بالعكس أنا سعيدة بقدومك. أفطرت؟
هز رأسه كمن لا يتذكر حدوث شيء كهذا وقال:
-نوعًا ما..
قالت له في حيرة:
-ماذا تُفضل إذن؟!
-كوبًا من الشاي سيكون ممتازًا.
أعدت له الكوب وناولته إياه وهو واقف إلى جوارها، سحب سيجارة من علبته وحرص على الوقوف تحت شفاط المطبخ بعد إشعالها. سألته بعدما ارتشف رشفة ليتأكد من أن السكر مضبوط في الكوب:
-إنما لم تخبرني إلى الآن، ما سر زيارتك المفاجئة؟
أجابها بود:
-لا يوجد سبب، فقط شعرتُ اليوم أنني أفتقدك وأفتقد الأولاد.
لاطفته في مودة من فطنت لمجاملته إياها، لكنها رغم ذلك سعدت بها لأنها لم تعتد منه تلك الكلمات اللطيفة.
-تفتقدني وتفتقد الأولاد، حقًا؟!
قال بلطف حرج:
-ما الغريب؟!
قالت بارتباك من استشعرت إحراج الطرف الآخر:
-لا شيء، لكن ليس من عادتك الاستيقاظ في مثل هذه الساعة من النهار.
ضحكت عندما وجدت الأمر يبدو منطقيًا وقالت:
-اعتدتُ رؤيتك، إن حدثت، أن تكون في الليل.
ضحك بصوت عالٍ ثم كتم ضحكته وخجله ليرتشف من كوب الشاي وقال:
-هنالك سبب آخر للزيارة أيضًا..
صمت برهة لكنه لم ينتظر منها أن تتساءل عن السبب. بمجرد رؤيته لاستدارتها نحوه قال قبل أن يرى وجهه وجهها:
-بصراحة أرغب في الزواج!
لم يتوقع منها أي رد فعل. المفاجأة كانت من النوع الذي لا يُثير دهشة لحظية، بل من النوع الذي تمتد دهشته لأيامِ يحتاج فيها المندهش للتحليل والمناقشة والاستيعاب. قالت في سعادة:
-أتمنى ألا يكون مزاحًا في نهاية المطاف، لأنه خبر رائع!
ضحك في خجل وقال:
-ولمَ بربكِ قد يكون مزاحًا؟!
لاطفته قائلة:
-لم أرَ هذا الموضوع من قبل ضمن دائرة اهتماماتك.
قال في صراحة مغلفة بالمزاح:
-لم تكن لدي دائرة اهتمامات!
-ومن هي سعيدة الحظ؟!
ارتبك في خجله قليلًا وقال:
-فتاة لازلتُ في طور التعرف عليها، لكني فجأة وجدت داخلي رغبة جارفة في المتابعة والزواج منها. لا أحتاج لشيء منكِ. ارتأيتُ فقط أخذ رأيكِ في الأمر برمته. خصوصًا، بسبب الظروف السيئة التي تمر بها العائلة.
-إنها خطوة عظيمة. دعكَ من الظروف السيئة وإلامَ ستُفضي في النهاية، ما أود قوله باختصار أن ما هو مقدر له الحدوث سيحدث لا محالة. وعلينا أن نتأقلم ونعيش حياتنا سواء قبل حدوثه أو بعدها، وكأن شيئًا لم يحدث قط.
قال لها رافعًا يده لتحيتها بكوب الشاي والسيجارة المشتعلة في اليد الأخرى:
-كلام حكيم ورائع، ليتني سمعته قبل أو أثناء عملي بالخارج، لربما تغيرت الكثير من الأشياء.
كادت تُعقب على كلماته بعدة تعليقاتٍ مشفوعة بتساؤلات حول ما حدث له بالخارج جعله يعود فجأة ويحبس نفسه في شقته بلا حركة. لكنها تناست كل ما كان في رأسها لدى وصول ابنيها وركضهما نحوها لاحتضانها ومداعبتها بسؤالها عن الطعام.
قالت لهما:
-المعكرونة التي تحبانها. هيا سلما على خالكما وادخلا لتغتسلا وتغيرا ملابسكما ثم عودا لتناول الطعام.
قال سعيد:
-أهلًا يا خالي.
-أهلًا يا حبيبي.
قال سيف:
-أهلًا يا رمزي، هل جئتَ لتأكل معنا من المعكرونة؟!
ضحك وابتسم في وجه نور وقال:
-كلا يا حبيبي، كلا أنتما بالهناء والشفاء، جئتُ فقط للحديث مع ماما حول بعض المسائل.
قال سيف:
-أعرف أعرف، إنها مسألة واحدة، الموت بالتأكيد.
قالت له نور:
-اسكت يا سيف ولا تأتِ بهذه السيرة مجددًا.
وقال سعيد لأخيه وهو يتناول يده:
-هيا بنا إلى غرفتنا الآن.
أخذه ودخلا إلى غرفتهما، وقالت نور لرمزي:
-لا تزعل، أنت تعرف أنه شقي.
-لا يوجد سبب للزعل أو الغضب، أرى ما قاله طبيعيًا للأسف..
عادت لملاطفاتها وقالت:
-لا داعي لذلك أنت الآخر.. فكر فقط في الموضوع الذي كلمتني عنه، وامكث لتأكل معنا، اعتقد أن ذلك سيُسعد الأولاد، ألم تقل إنك تفتقدهم؟!
-حسنًا يا نور، لكن اجعليها في مناسبة أخرى من فضلك، لأني ذاهب إلى موعد الآن وأخاف أن أتأخر، وغدًا سوف آتي في هذا الموعد وسآكل معكم.
-حسنًا، لن أمنعك عن موعدكَ معها بكل تأكيد.
وغمزت بعينها اليمنى غمزة ذات معنى. فحياها رمزي وتركها وخرج من البيت. لم يكن لديه موعد كما قال، أو بالأحرى لم يكن هذا هو ما يقصده بالموعد، لكنه لم يشأ إحراجها بعد كلامها اللطيف الموجه إليه. بل كان المكان الذي سيذهب إليه هو شقة والده ليرى سبب تأخر مكوث المندوب الذي طال لساعات.
طرق الباب وفتح له أبوه، سلّم على مندوب الموت وجلس، ثم قال:
-معذرة إذا كنتُ قطعتُ حديثكما او شيئًا من هذا القبيل. فقط فضلّت المرور والاطمئنان أن كل شيء على ما يُرام.
قال المندوب الذي استشعر الحرج كونه الغريب في هذه الجلسة:
-لا داعي لتعتذر. إنه بيتك على كل حال. أبوك كان يحكي لي قصة بناء البيت وكيف شيده بالأموال التي جمعها من عملك بالخارج.
أخرج رمزي سيجارتين من علبته في هذه الأثناء. ناوله واحدة فاعتذر المندوب قائلًا في تهذيب:
-اعذرني، فأنا لا أدخن.
هز رمزي رأسه وأعاد السيجارة لمكانها في العلبة، ثم أشعل الأخرى، في تلك الأثناء قال المندوب:
-شهامة غريبة منك بصراحة أن تُضيع كل ما جمعته من أموال على تحقيق حلم أبيك بتشييد بيت يلم شمل العائلة.
قال رمزي:
-المسألة لا تتعلق بالتضحية أو شيئًا من هذا القبيل. كل ما في الأمر أنني مسرف ولا أستطيع إبقاء الأموال في جيوبي لمدة طويلة. فاقترح عليّ أبي مسألة البيت وما كان مني سوى الموافقة.
قال الجد:
-كانت لي نظرة بعيدة بخصوص هذا البيت. تلك البيوت التي تجمع العائلات وتلملم شملها لم تعد موجودة بكثرة كما السابق. معظم العائلات صار أفرادها يعيشون بعيدًا عن بعضهم البعض.
ابتسم رمزي ابتسامة خافتة، ووجه سؤالًا للمندوب ليواري به ابتسامته.
-أود أن أسألك بهذه المناسبة، ماذا تفعلون مع العائلات التي تعيش بعيدًا عن بعضها البعض؟!
قال المندوب ببساطة:
-نجمعهم عن طريق الانترنت، وقد أذهب لزيارة أكبر أفراد العائلة فقط لا أكثر. ذلك طبعًا قبل الذهاب لاصطحاب الشخص الذي سيُفدي العائلة للموت.
-بمناسبة سيرة الموت، كيف يموت الشخص الذي يقع عليه الاختيار لافتداء عائلته؟
-لن تصدقني إذا قلت إنني لا أعرف، في الواقع ليس لدي معلومات دقيقة حول تلك المسألة. لكن حسب ما أعلمه، إنهم يتبعون طريقة لا تتضمن أي إحساس بالألم.
-حقًا؟!
قال الجد:
-التخدير على ما أظن، أو بسمٍ يقتل على مراحل طبيعية..
أعجب رمزي بوصف السم بأنه "يقتل على مراحل طبيعية"، وقرر التمادي في الحوار الذي شعر براحة لدى الخوض فيه، فتساءل:
-برأيكِ، من وجهة نظرك، ونتيجة لخبرتك الطويلة بالعمل، أخبرني من تتوقع منا أن يفتدي العائلة؟!
قال المندوب في خجل مصحوب بتوتر خفي:
-لا أحاول توقع هذه المسائل كي لا أدعها تجرفني لارتكاب نوع معين من الأعمال قد يؤثر على العملية..
أعجب رمزي باللعبة وتابع:
-لكنك بالتأكيد داخل عقلك الباطن تتخيل فردًا معينًا، خاصة وقد رأيتنا كلنا رؤى العين، بالإضافة إلى حديثك الطويل مع كبير العائلة.. هيا أخبرني بمن تراه قد يفدي البقية.. دعنا نضع رهانًا على ذلك!
قال المندوب وقد نجح في رسم ابتسامة ثابتة على وجهه لإخفاء التوتر:
-صدقني لا أستطيع الدخول في رهان كهذا، رغم أنك تغريني..
قال الجد مقتحمًا الحوار:
-يكفي هذا يا رمزي! الرجل ضيف عندنا ويؤدي عمله، كما أنها ليست مسألة يتخللها المزاح!
-حسنًا لن أتمادى اكثر من ذلك.
تنهد المندوب ارتياحًا، وهز الجد رأسه، لكنهم فوجئوا برمزي يختتم كلامه قائلًا:
-لكنني واثقٌ من أنه يظنني سأكون المفدي في النهاية!
ولم يمتد جلوس رمزي أكثر من ذلك، ونهض قبل أن يشهد أثر مزاحه السخيف الذي طبع الكثير من الجدية على وجهيهما، فقد راوده شعور بأنه أدى ما عليه، ولا حاجة به لأكثر من ذلك.

