ضيفنا الكريم الموت
(قصة مسرحية من خمسة أجزاء، 4/5)
وفي الاجتماع التالي للعائلة، وقبل اقتراب الموعد النهائي بأيام، قال الجد لكل أفراد العائلة، بمن فيهم الأطفال الذين طلب حضورهم للاجتماع، في سخط:
-ها نحن مجتمعون مرة أخرى، وأنا على يقين من أنكم لم تحسموا في قرارة أنفسكم من سيكون المُفدي بعد.
تطّلع إلى وجوههم وتابع:
-أتعرفون ما المشكلة؟! بسيطة، أنا سأخبركم؛ المشكلة أن كل واحد منكم لا يملك الإقدام والفداء ليحمي البقية. كل ٌ منكم لا يرغب سوى بالحفاظ على حياته. وإذا حدث واختير أحد أفراد أسرته الصغيرة فإنه قد يتقدم ويحمل العبأ بدلًا منه؛ أما غير ذلك فلا..
إنني هنا للحديث عن كل ذلك، عن شجاعتكم في الشجار الذي قد يصل لقتل بعضكم البعض، لكنكم جبناء أمام اتخاذ قرار شخصي تعلمون جيدًا أنه للصالح العام..
إنكم عارٌ على بعضكم البعض. صدقوني، ولا أعرف كيف يربي كل واحد منكم أبنائه على مجموعة من المبادئ ولا يطبق أبسطها أمامه.. لذلك فالآن وهنا، سنحسم هذا القرار، أو سنتخذ خطوات كبيرة تجاه حسمه. سأدلي بأسمائكم واحدًا تلو الآخر، ومن لديه اعتراض حول اختيار الاسم، فليقله، وحسب وجاهة المنطق الذي سيسوقه المعترض سيُحدد اختيار صاحب الاسم من عدمه.
سأتلو عليكم الأسماء الآن من الأصغر للأكبر ومن يملك اعتراضًا فليقله؛ أولًا ريم..
شهقت جميلة شهقة أفزعت كل الموجودين، ربت نصر على كتفها وقال:
-كلا بالتأكيد يا أبي، ريم صغيرة ولم تعش لتعي مسألة كهذه بعد، أنا غير موافق بالتأكيد، إنني متعلقٌ بها بشدة..
هز رأسه وأدرك أن جميلة هي الأخرى معترضة، لم يبد شيء على ملامح ريم، لكن شقيقتها الأكبر فرح شعرت ببعض الغيرة.
-حسنًا. ثانيًا، سيف..
كانت نور مستعدة لنطق اسم ابنها الأصغر. لكنها رغم ذلك تفاجأت مثل جميلة. ساعدها استعدادها فقط على عدم إبراز مفاجئتها بأي شكل، لكن وجهها بدا مكفهرًا.
وزاده سيف اكفهرارًا عندما قال:
-يمكن أن أجرب!
نهرته قائلة:
-شششش اسكت حتى يتكلم الكبار..
ثم وجهت حديثها لوالدها وقالت:
-يا أبي إنه صغير كما ترى، وأعرف أن ذلك لا يُرضيك بالتأكيد.
قال رمزي مازحًا:
-حرام عليك، تريد أن تأخذ الوحيد خفيف الظل في العائلة!
لم يضحك على ذلك التعليق سوى سيف، وفضّل الجد المضي قدمًا بالأسماء فقال:
-سعيد..
قالت نور لتحسم الأمر:
-يا أبي، أنا وحيدة دون زوج، وهذا ابني الأكبر الذي اتسند عليه، ألا يكفيني بأن زوجي مات وتركهما لي؟!
هز الجد رأسه وقال في سأم من يعرف ما سيحدث فيما بعد:
-فرح.
قال نصر:
-كلا بالتأكيد!
وقال رمزي حاسمًا موقفه:
-أنا معترض على إدارج أيٍ من الأطفال في هذا الخطل كله!
وضغط على كلماته ليثبت لأخيه الأكبر أنه كان يمزح في المرة الفائتة حين اقترح عليه افتدائهم بواحدة من ابنتيه. فرح نصر بهذا الموقف، لكنه لم يبد لينًا مع. فرغم أنه برر قوله بأنه مزحة، فإنها تظل بالنسبة إليه مزحة سخيفة.
فقالت نور:
-بصراحة يا أبي، لا أرى من الحكمة إدراج اسماء الأطفال في هذا الموضع، إننا نعيش حياتنا من أجل أن يعيشوا!
هزوا رؤوسهم معها وقالوا:
-أجل.
-صحيح.
-مسألة لا شك فيها.
انتقل الجد لأسماء الكبار فقال أولًا:
-جميلة.
قالت ريم بثقة مبالغة على الموقف:
-لا يا جدي، ليس أمي بالتأكيد!
لم ينطق كلًا من رمزي أو نور، لكن نصر قال:
-اعترض، إن لم يكن من أجلي أنا، فمن أجل ابنتاي، إنها مسئولة عن ثلاثة أفراد.
هز الجد رأسه وقال:
-رمزي..
لم ينطق أحد سوى سيف الذي قال:
-كلا، أنا أحب رمزي!
فابتسم رمزي، وقالت نور:
-رمزي أيضًا لم يعش حياته بعد، بل عاش التعاسة منها فقط وعلينا إعطاؤه فرصة لتذوق السعادة.
واكتفى الجد بالقول:
-أعرف، لقد بنى هذا البيت الذي نسكنه أيضًا..
صمت ونظر للوجوه التي لم يبد عليها أي تعبير، وقال:
-لكنني هنا محايد ولا دخل لي باختياراتكم.
حيث تذكر أنه لم ينطق بالسلب أو بالإيجاب حول الأسماء السابقة، فإفصاحه بأي رأي سيُفسر بالتحيز، فانتقل إلى الاسم التالي:
-نور!
قال سعيد:
-كلا، لا، أمي هي من تنفق علينا منذ وفاة أبي، إن موتها يعني موت ثلاثة أفراد وليس فردًا واحدًا، وذلك يحمل ظلمًا كبيرًا لنا.
اتفق معه نصر، وذلك لأن اسمه هو التالي، وما انطبق على نور سينطبق عليه. بل إن عدد الموتى في حالة اختياره سيكون أربعة وليس ثلاثة، وهو الاعتراض الذي بدا منطقيًا لدى نطق الجد لاسمه. وقال الجد الذي بدا جاهزًا لكل ذلك منذ البداية.
-إذن لا تريدون الإجماع على واحد. حسنًا، لدي فكرة أخرى، ما رأيكم بلعبة بسيطة "مجموعة أوراق ويُكتب كل واحد منكم الاسم الذي يختاره على ورقة".
قال ذلك وهو يوزع الأوراق عليهم، ما يعني أن مقترحه دخل حيز التنفيذ.
عدد الأصوات: 8
بدأوا في عملية كتابة الأوراق ورميها في الصندوق. وعندما انتهوا جميعًا من العملية بدأ الجد بفرز الأوراق. قرأ الورقة الأولى؛ رمزي، الثانية، رمزي. توترت الأجواء وبدأوا يوجهون نظراتهم نحو رمزي وكأنهم جميعًا يعتذرون منه على ما حدث. أو يحاول كل منهم التبرأ من إثم اختياره للموت.
قال رمزي ردًا على ملامحهم التي تترقب رد فعله:
-من الواضح أنني ذو شعبية كبيرة..
قرأ الجد الورقة الثالثة:
-لا أحد يموت!
فقال:
-من المستهتر عديم المسئولية هذا؟!
قالت نور:
-معذرة يا أبي، أنت تعرف الأطفال..
قرأ الورقة الرابعة.. ثم، نظر إليهم جميعًا، وقال:
-حسنًا سأحتفظ الآن بهذه الأوراق هنا في الصندوق ولنكمل فيما بعد لعل أحدكم يُغير رأيه. إننا لا نريد التسرع في اتخاذ حكم كهذا. مهما يكن للأمر من أهمية، فهذه روح ولن يعيدها الندم فيما بعد!
قال رمزي:
-كما لن يعيد الندم أشياءً أخرى أيضًا!
نهض الجد أولًا وحرص على وضع الأوراق كلها في صندوق وغلقه بالقفل. ثم نهضوا جميعًا من فوق الطاولة. حرص الأطفال على قياس خطورة ما يحدث من خلال ملامح الكبار. بينما جاهد الكبار بشكل فاضح في مواراة وجوههم والنظر في اتجاهات بعيدة كي لا يتمكن أحد من قراءة مشاعر كالندم أو النذالة أو التعاطف على وجوههم. وفي الأخير نهض رمزي عندما تطّلع حوله ووجدهم قد عادوا جميعًا إلى بيوتهم. كان متعبًا للغاية. لكنه على يقين بأن النوم من المستحيل أن يأتيه الآن. خاصة وهو الوحيد منهم الذي سمع اسمه ضمن الأصوات، أي أنه المرشح الأكبر للموت، الحصان الذي يسبق الجميع إلى خط النهاية بفارق صوتين، وهنالك صوتٌ لاغٍ، أي أنه أمامه ما يُقدر بصوت آخر أو اثنين على أقصى تقدير ويخسر حياته، التي ربما لم يفز خلالها بشيء ما، سوى هذا التصويت.
وحدها جالسة وحدها هذه المرة حين دلف إلى البار، حيته فحياها، واستشعر في نفسه ثقلًا يصده عن التدفق في الحديث معها، لكنها شجعته حين بادءته:
-لمَ تبدو مكفهرًا هكذا؟! أكان يومك سيئًا؟!
هز رأسه مجيبًا بالنفي، ثم قال:
-أو في الواقع ليس اليوم فقط هو السيء، بل كل أيامي..
واستشعر راحة غريبة في أن يحكي لها، وهي بدروها لم تخلع عنه عباءة السوداوية التي اتشح بها، فقط نادت النادل بإصبعها وقالت:
-أبلغ الساقي أن رمزي لا يبدو بخير اليوم ويحتاج ليشرب مشروبًا أعد له خصيصى كي يتحسن!
أشار النادل بإصبعه إلى عينه اليمنى ثم إلى عينه اليسرى وغادر. واجهته بابتسامة غير لائقة بالموقف، لكنه لم يستطع سوى ردها. عاد النادل يحمل مشروبًا وضعه أمامه، نظر تجاه الكوب ليُبعد التوتر الذي أصابه، لم يتمكن من تبين محتويات المشروب، لكنه بعد أول رشفة منه بالماصة قال إنه لذيذ. نظر إليها وأدرك أن الارتياح الذي شعر به لم يكن من ضمن الأوهام التي يُلبسها الحب للعقل. وانساب في حكي أدق تفاصيل مأساته بينما هي تُنصتُ إليه باهتمام بالغ.
حكى لها عن مندوب الموت، والده، أخيه، أخته، أطفال إخوته. شعر أن هنالك جزءًا مفقودًا من الحكاية عليها أن تُلم به، فقصَ عليها سنوات عمله في الخارج، كل المعوقات التي صادفها، والعمل الذي جنى عليه أموالًا طائلة، إسرافه المبالغ في الإنفاق، والبيت الذي بُني بأمواله. عاد فحكى لها أسباب سفره، وكيف أنه لم يجد معنىً أو جدوى للحياة طوال شبابه، وتبدى له السفر حلًا مثاليًا. لكن المعنى والجدوى ظلا غائبين عنه، ولم يجد سوى المادة. وأخبرها بسبب عودته الذي لم يحكه لأحد مسبقًا؛ أنه لدى بناء البيت شعر بمعنىً لحياته. شعر بإنجاز تحقيق شيء ما. حتى لو لم يكن الشيء الذي سعى إليه. شعر بالإكتفاء، وبالحاجة للراحة والتفكير للتوصل لمعنىً آخر يُفني فيه ما تبقى من حياته.
حكى، وحكى، وتدفق في الحكي، ثم توقف، بعدما أدرك أنه بطريقة ما قصّ عليها كل أحداث حياته.
لم تُزح الابتسامة عن وجهها. وسألته في جدية:
-وهل وجدت هذا المعنى بعد؟
تردد في الإجابة، ثم قال:
-أظن ذلك.
وأضاف كي يُجنبها الفهم الخاطئ:
-لذلك أعمل على أن يتتجنبني الموت..
أراحتها تلك الإجابة بعض الشيء، وقالت:
-كلامك عظيم، لكن أتعرف أين تكمن المشكلة حقًا؟! إنها ليست فيك، فمن حقك أن تعيش وتسعى للمعنى الذي تريده..
صمتت برهة وهي تتأمل وجهه السعيد بكلماتها، والمترقب لمعرفة مكمن المشكلة.
-ليست في أختك أيضًا، إنها محقة بالتأكيد، هي أيضًا لديها المعنى الخاص بها؛ الولدان اللذين تربيهما بنفسها لترى سعادتهما، وبالتالي سعادتها..
-أنتِ محقة. ومن يقول غير ذلك؟! أنا متفهم لموقف نور.
-أخاك أيضًا محق، وزوجته محقة. لقد كون أسرة ويخاف عليها، إنها المعنى الخاص به. لذلك يُعلن دائمًا أنه لا مساسَ بهم بأي طريقة وتحت أي ظروف مهما كانت..
هز رأسه في قناعة، وتشجعت على المواصلة:
-المشكلة حقًا أن من عليه أن يفتدي الباقين هو الشخص الوحيد الذي لم يخطر على بالكم جميعًا، رغم أنه الأكثر انشغالًا بالأمر والأنسب، والأكثر شبعًا من الدنيا..
لم يتركها تتابع، نظر حوله كمن أدرك فجأة أنه يرى الواقع، نهض رغم السُكر البادي عليه وهرول مسرعًا إلى الخارج، وربما بسبب الإفراط في الشراب نسى الاتفاق معها على موعد آخر.
كانوا جميعًا لا يزالون يفكرون في قرب حسم مسألة من سيفتديهم، ويتجادلون حول أسباب عدم مواصلة الجد لفرز الأصوات، كانوا مستيقظين فلم يحتاجوا لصوته العالي أن يوقظهم بمجرد دخوله من باب البيت إلى الساحة وهو يصرخ بصوت تعتعه السُكر:
-الآن فهمت، فهمتُ المسألة برمتها! ليس أنا من سيموت.. ليس أنا من يجب أن يموت..كنتُ أشكُ في المسألة مثلكم تمامًا. أنا الوحيد الذي لا أمتلكُ حياة خاصة بي، أنا الوحيد الذي ربما خُلق كي تُكرس حياته لكم من أول حجر وُضع في هذا البيت المُشيد بشقائي، وحتى سنواتي القادمة التي يُفترض بي أن أزهد فيها فداءً لكم..
خرجوا جميعًا لاستطلاع الأمر. لم تفلح محاولات نور في تنحية أبنيها عن مشاهدة خالهما وهو سكير يُجدف، فقد كانا مسمرين تمامًا في انتظار ما سيقوله. وكاد نصر ينطق ويقول له إن الساعة متأخرة وعليه أن ينام الآن يؤجل ما يود الخوض فيه للصباح، لكن الفضول أخرسه. الجد أيضًا أراد الصراخ فيه لكنه رأي أن فيضانه شديد وأمواجه عالية، ولأول مرة شعرة بنغزة بسيطة من الخوف.
-الحقيقة أنه ليس أنا من يتوجب عليه أن يفتديكم، الوحيد بيننا الذي يجب أن يفتدي البقية، هو الوحيد الذي لم نُفكر به مطلقًا، هو أنتَ يا أبي!
أشار نحوه بإصبعه وهو يصرخ بعبارته الأخيرة. أما كبير العائلة فقد برقت عيناه وانخطفتا من هول المفاجأة. عاد للوراء ونطق بما كان من المفترض أن يقوله قبل خروج الطلقة من المسدس:
-يبدو أنكَ جُننتَ بالعودة في هذه الساعة بهذه الحالة المُزرية! كيف تجرؤ على مخاطبتي والوقوف أمامي وأنت سكران! اخرس وإلا أعدتك إلى وعيكَ بطريقتي!
لكن لأنها متأخرة عن موعدها، جاراه رمزي في الصراخ:
-تهددني؟! وبماذا؟! بإعادتي إلى وعيي؟! اطمئن، أنا في كامل وعيي الآن ومنتبه لكل ألاعيبك!
ثم نظر للباقين وقال بنبرة أقل من السابق بعض الشيء، لكنها تظل مرتفعة:
-أتريدون التأكد من أني مُحق ولستُ سكيرًا مُخرف؟! أتعرفون لماذا لم يواصل فرز الأصوات؟!
انشد اتباههم إليه، وهُيئ الجو لإلقاءه قنبلته الأخيرة.
-لأن واحدًا من الأطفال عبث معه وكتب اسمه بين الأصوات!
تبادلوا النظرات بين بعضهم البعض في وجوم وهو يترنح في منتصف الساحة كالفارس الذي أصاب غريمه بضربة قاصمة ولم يبق سوى التيقن من قضائها التام عليه.
قال الجد بجدية تامة:
-إنك تُخرف..إنك تهذي بالتأكيد..
واصلوا التطلع إليه إذ لم يقنعهم كلامه الذي بدا كحلاوة للروح.
-حسنًا إذا أردتم التأكد بأنفسكم من المسألة، فتعالوا الآن لتروا الأوراق المتبقية..
كل ذلك والمندوب واقفٌ بينهم، بملابسه الرسمية، يراقب بحيادية تامة وكأن كل ذلك شأن لا يعنيه مطلقًا. لكنهم لدى صعودهم إلى السلم المؤدي إلى الشقة التي يسكنها الجد، حرِصَ على اللحاق بهم لرؤية ما يحدث، وربما تسجيل الوقائع في الدفتر الذي يحمله بين يديه.
اجتمع الكبار واقفين جميعًا حول الطاولة. وعاد الجد من داخل إحدى الغرف وهو يحمل الصندوق بين يديه. فتحه ثم قلبه على الطاولة ليُسقط ما بداخله من أوراق عليها، وأياديهم تتحلق الطاولة مخافة ضياع إحدى الأوراق سهوًا. بدأ فرز الأوراق أمامهم. قرأ الورقة الأولى وعرضها عليهم "لا أحد يموت"، الثانية "رمزي"، الثالثة "لا أحد"، الرابعة "رمزي"، الخامسة "ريم".
هنا نظرواتطلعوا في وجوه بعضهم البعض. وصاح نصر في رمزي:
-إنه أنت أيها الوغد! كيف تجرؤ على كتابة اسم ابنتي الصغرى؟! تُريدها أن تموت كي يحيا أمثالك؟! أنت أيها الوغد من يجب أن يموت الآن!
-لستُ أنا من فعل ذلك! ثم لمَ كل هذا الغضب؟! أنت كتبتَ اسمي ولم أغضب، إنه تصويت..
-تقول إنه ليس أنت؟! من غيرك عساه يفعلها إذن؟!
-لا أعرف، هذه الورقة مُستبدلة بالورقة التي كُتب فيها اسم أبي!
هنا صرخت نور بنفس مستوى صراخهم لأن الشجار تطور كثيرًا وكاد يبلغ الجميع، فقالت:
-إنه سيف!
توجه ناظري نصر وجميلة إليها، فتابعت موضحة:
-أنا آسفة لكما وأتفهم تمامًا غضبكما. سيف هو من فعلها، قال إنه في المرة الأخيرة التي لعب فيها مع ريم تشاجر معها بسبب لعبة فكتب اسمها. لكن صدقوني لقد بكى كثيرًا على ذلك، وعنفته، ورجوتُ منه ألا يُدخل أي مشكلة شخصية بسيطة في أي قرار يخص حياته أو حيوات الآخرين..
نظروا لبعضهم البعض، وصمتوا، كأن الكلمات الأخيرة مستهم جميعًا. وكانت لحظة الصمت تلك هي الفاصلة التي واصل الجد من بعدها فرز الأوراق الثلاثة المتبقية؛ فكانت الورقة الأولى "انسحب من اتخاذ القرار"، ولم تبدُ مفاجئة للجميع بعدما تراءى لهم ما حدث بينهم للتو، والكلامت التي قالتها نور عن ارتباط العواطف بمثل هذه القرارات المصيرية. أما الورقتان الأخيرتان فقد أحلتا الكثير من الوجوم على الوجوه، فكلتاهما تحملان اسم رمزي.
أدركوا أن هنالك خطبًا ما، وأن تلك الأصوات تبدو غريبة بعض الشيء. هنالك ثلاثة أصوات باطلة يعفي أصحابها أنفسهم من أي اختيار. صوت اختار ريم وعرفوا أن صاحبه سيف، وأربعة أصوات ضد رمزي، أي أن نصف الأصوات ضده. يعرف نصر أنه وزوجته صوتان من أولئك الأربعة، لكن من هما صاحبي الصوتين الآخرين؟! تُشفق نور على رمزي وعلى حالته العاطفية. إنه مسكين وبالتأكيد يشعر بالصدمة من حوله. يوجه الجد لرمزي نظرة ذات مغزى، إنه تشفٍ مخلوط بتفاخر ببُعد النظر. كأنه يقول له "إنما أخفيتُ بقية الأوراق واعتمدتُ تصويتًا آخر فقط لحمايتك، لإطالة عمرك لأيام، لأني أعلم أنك الخاسر في النهاية."

