المنافسة على الهبوط (٧)
كنتُ أدرك أن لحظة السقوط قادمة لا محالة، ربما لأني اعتدتُ السقوط
لا يأتِ في بالي أبدًا حين عرض عليَّ أمين هذا المنصب أنني سأكون مجرد طرطور. ولم أنتظر حتى يخبرني أحد أنني صرتُ الطرطور هنا. شعرتُ بالأمر وحدي. في البداية ظننته لا يأخذ رأيي في كافة الأمور لأنني قادم من عالم مختلف بعيد عن الملاعب. وذلك يبدو منطقيًا، ولكن من المنطق أيضًا ألا يختارني منذ البداية. فلماذا أنا إذن؟ في اليوم التالي للمباراة الأولى التي فزنا بها، احتجت للذهاب بنفسي لتوقيع ورقة من مكتب الأستاذ عرفة. كانت الوظيفة هي نفسها، لم تتغير. راتب يزيد زيادة تتناسب مع زيادة الأسعار السنوية. وصلاحياتي لممارسة الكسل الوظيفي تزيد أيضًا بحكم أقدميتي. وما غير ذلك لم يتغير شيء. ازددتُ قربًا من هؤلاء الناس بالمناسبة، لا أعرف هل ازددتُ قربًا منهم بحكم أنني فهمتهم وفهمت أنهم يحبون هذه الحياة المملة، لأنها تكفل لهم القدر الضئيل من الاستقرار الذي يعينهم على فتح بيوتهم. بعض يدرك جيدًا أنه يُضيع الوقت. الأستاذ صيام مثلًا يعترف أن الأيام السخيفة في العمل كانت تنقسم لنوعي؛ النوع الأول خاص بالزيارات التي تأتي للمكاتب من المحافظة. وذلك لم يعد يُقلقه حيث إنه أدرك أن من يأتي في هذه الزيارات، يأتيها من باب تأدية الواجب هو الآخر. والنوع الثاني يتعلق بالأيام التي يضطر فيها لوداع أحد الخارجين على المعاش من زملاؤه وهو يدرك أن كل حفلة معاش حضرها، وأكل من قطع الجاتوه وشرب زجاجة المياة الغازية التي يصر أن تكون بيضاء، رغم شكواه الدائمة من السكر. يُدرك أن كل تلك الحفلات تُقربه أكثر من ذلك اليوم الذي سيخرج فيه هو الآخر مضطرًا لوداع المكتب.
من ضمن الشواهد التي تذكرتها وجعلتني على يقيني بأنني موجود هنا كواجهة يحتمون فيها فقط، أنني اقترحتُ عليهم أنني بعد تعييني لم يأخذوا رأيي في أي لاعب من اللاعبين الذين جاءوا بهم، تعاقدوا مع 3 لاعبين، ليسدوا بهم خمسة أماكن متاحة في قائمة اللاعبين لدينا. هم يعرفون جيدًا أنني لا أعرف أولئك اللاعبين، ولا أعرف غيرهم بالتأكيد. إنني بعيد كل البعد عن هذا العالم. وبعد أن ينفض المولد، ويقبض كلٌ من أمين وسماسرة اللاعبين نصيبهم من النقوط. سيبحث الكل عمن وافق على أولئك الذين جئ بهم لإنقاذ الفريق، وسيجدون توقيعي على الورق. قد يبقى أمين شهمًا للنهاية ويقول إننا هبطنا إلى المستوى الأسفل قضاءً وقدرًا أو بسبب نقص في الموارد. وقد يخرج ليعتذر للجميع ويقول إنه جلبني كنجم سابق للفريق، واكتشف أنني بعيد عن كرة القدم ولم تعد لي علاقة بها. سيقبل الجميع اعتذاره ويتم إقصائي، على أن يتم جلب آخر بدلًا مني لتصحيح الخطأ، مدرب لن يهتم أحد به أو باسمه لأنه سيوجه فريق يلعب في الدرجة الثالثة. تُطلق الصحف الرياضية على الدرجة الأولى دوري الأضواء، ذلك الذي لم ألعب فيه بإرادتي أو رغمًا عني، وتفرد له صفحات عدة لتغطيته وتغطية أخباره. وتُطلق على الدرجة الثانية دوري المظاليم، وتكتفي بسرد نتائج مبارياتها في مساحة جانبية من الجريدة لا تتجاوز ربع صفحة. لا أعلم ما يطلقونه على الدرجة الثالثة، لا يسمع عنه أحد لأنهم يكتفون بسرد نتائج البطولة بعد انتهائها فقط. أتت كل تلك الأفكار في بالي، رغم أننا فزنا في أول مباراة، وتعادلنا في الثانية، كنتُ أدرك أن لحظة السقوط قادمة لا محالة، ربما لأني اعتدتُ السقوط فيمكنني تمييزه. لكني رغم ذلك لا أعرف ما دفعني للاستمرار وعدم التراجع. في شبابي مارستُ كرة القدم لأني إلى جانب حبي لها، لم أجد شيئًا آخر أحبه. ربما الآن وبعد كل تلك السنوات أيضًا فشلتُ في إيجاد شيء آخر أحبه. لا أعرف هل المشكلة تتعلق بي أم بقلة الخيارات المتاحة أمامي، أم قلة حظي من الدنيا.
ورغم أن البدايات كانت لصالحنا، علمتُ بخبرتي بالهزائم أنها فترة مؤقتة لن تدوم طويلًا لأننا مهلهلين من الداخل. الفرق في هذه الدرجة معظمها لا تلعب كرة القدم بالشكل الذي يُفضله الناس. ربما فريق أو اثنين فقط ينجحون في ذلك. وتلك الفرق في النهاية تفوز ببطولة الدرجة وتصعد للأضواء. أما معظم الفرق فتلعب كرة مبنية على الاحتكاك البدني القوي، الكرات المُعلقة في الهواء، والهجمات المرتدة..يحرصون على إصابتك بالملل واستغلال كل البُقع الصفراء في النجيلة لصالحهم، حتى تيأس وتنتمي لو انتهت المباراة بأي شكل، وقتها في الغالب تنتهي المباراة لصالحهم. ومن وقت لآخر هنالك مُسوخ بين هؤلاء وأولئك. فرق تريد لعب كرة قدم ممتعة، لكنهم لا يملكون أكثر من لاعب واحد قادر على مراوغة الخصوم، يريدون نقل الكرة بين أقدامهم لأكثر من عشرين تمريرة، تلك اللحظة التي يبدأ الجمهور فيها بالتهليل مع كل تمريرة وكأنهم يشاهدون السيرك، والحيوانات تركض تحاول استعادة الكرة ولا تُفلح. لكنهم في الوقت نفسه، لا يستطيعون إتمام ثلاث تمريرات متتالية دون أن تقطع الكرة وتُشكل خطورة عليهم، ومع كل تمريرة مقطوعة يزداد قلق اللاعبين، ويُركز لاعبو الخصم على قطع الكرة لأن ذلك ينجح كثيرًا، بينما تصرخ الجماهير في غضب مع كل كرة مقطوعة، فتقل ثقة اللاعبين، وهكذا. كنا نحن خير تمثيل لهذا اللعب الممسوخ.
بدأنا الهزائم من المباراة الثالثة كما توقعت. تقدمنا بهدف في الشوط الأول وظن الجميع أن الأمر سيسير في صالحنا، وفي الشوط الثاني استقبلنا هدفين في أقل من عشر دقائق. ثم انتهت المباراة..خرج الجميع من الملعب دون مشاعر. لم يكونوا سعداء بالتأكيد. ولكنهم غير حزانى. خاصة أنها مباراة خارج أرضنا في بنها. ركبنا الأوتوبيس من بنها إلى كفر الزيات وظللتُ أتطلع إلى وجوههم طوال الطريق. كانوا بشكل ما، يشبهون الموظفين في المجلس المحلي. الابتسامات نفسها. الأحاديث نفسها حول التجمعات العائلية والأفراح، والنميمة حول الحلقة القادمة من مسلسل الضوء الشارد، ثم يقول واحد منهم إنه فاته آخر ثلاث حلقات، فيتطوع اثنان ليحكوا للجميع ما فاتهم. قلتُ في نفسي إن هذا الفريق أدمن الهزائم.
عندما وصلنا إلى كفر الزيات لم أعد إلى البيت وذهبتُ للسهر بالمقهى. لم يعد النوم يأتيني منذ زمن. تقريبًا منذ لازمتُ مكاتب الحكومة المملة. طلبتُ الشاي والمعسل وجلستُ أحاول التفكير في الاحتمالات المتاحة لدي في الحياة. هنالك احتمال بأن يختطفنا شبح الهبوط، لو كان أمين طيبًا في هذه الحالة فسيُبقي عليَّ، لعلي أصعد بالفريق مرة أخرى..ولكنه لن يتمكن من ذلك. ستصرخ الجماهير حتى لا ترى وجهي مجددًا. كان الفريق يلعب في الدرجة الأولى وأنا صغير، لعب لموسمين ثم هبط إلى الدرجة الأدنى، وحلم الناس بالعودة مجددًا إلى الأضواء، وحلمتُ بتحقيق حلمهم ذلك كلاعب. لم يحدث ذلك..ولم أكن ذلك الذي يُحقق أحلامهم، لكنهم أحبوني، لأني أنقذت النادي من الهبوط..كنتُ في نظرهم الرجل الذي أبقى على ذلك الحلم. وقد أغدو في نظرهم بعد شهور، الرجل الذي قتله.
وهنالك احتمال آخر أن ننجح في تفادي الهبوط والبقاء. حينذاك سيمتن لي الجميع لأني أبقيتُ على وجود الحلم مجددًا، لكن هل سأكون الشخص نفسه حقًا هذه المرة؟!
في الماضي كنتُ البطل في نظرهم، لكني لم أشعر بذلك لأني كنتُ أواجه الشعور بأني مُتخاذل، أو أن الحياة خذلتني. لكني هذه المرة مجرد واجهة براقة.
قطع تلك الأفكار السوداء شخص يلوح لي من فوق طاولة أخرى، يرتدي جلبابًا رماديًا وله شارب كث ويجلس مع اثنين آخرين. بادلته التحية ظنًا مني أن أحد جماهير الفريق. وناداني طالبًا مني القدوم، قلتُ في نفسي إننا مُنينا اليوم بهزيمة ومن حق الرجل أن يطلبني وأذهب إليه بالفعل وأقدم اعتذارًا عن كل هذا التوتر. بدأت ملامحه تتضح في الظلام، واكتشفتُ أنني أعرف تلك الابتسامة السمجة. إنه "عمي" عبد الجواد، سلم عليَّ بحرارة، وسلمتُ عليه دونها. طلب مني الجلوس، فجلست وحكى لي العديد من أخباره ومشاغله، تلك التي لا أعرف عنها شيئًا. سألني إذا كنتُ قد تزوجت فهززتُ رأسي بالنفي، فأشاح بيده وقال:
-بلا وجع دماغ!
ثم أخبرني أنه منذ تزوج للمرة الثانية قبل حوالي أربع سنوات وهو محروم من قعدة القهوة التي يحبها. لم أستغرب كيف أنه محروم منها وهو جالس معي بها الآن، كنتُ شاردًا أتخيل مصير أمي لو كانت حية، لكانت محل تلك الزوجة الآن. بادلته بعض كلمات فض المجالس ثم أخبرته أنني سأنهض لأني أحتاج للنوم، فقال لي:
-صحيح أنا سمعت إنك رجعت الكورة تاني وبقيت تدرب..
هززتُ رأسي مؤكدًا الخبر الذي استغربتُ معرفته به كونه لم يكن يطيق سيرة كرة القدم ويراها مضيعة للوقت، فقال وهو يودعني:
-احنا اتغلبنا من طوب الأرض..ربنا يطرح البركة في إيدك.

