تسويق
1
يقول لي طارق إن لبنى زميلتنا في الكلية معجبة بي. أهز رأسي ولا أبدِ رد فعل. يلكزني في كتفي: -طب إيه؟! لا يعرف طارق أنني لاحظتُ ذلك منذ فترة. هو لا يعرف أنها أيضًا تعجبني منذ التحقنا بالكلية تقريبًا. لكنه لا يعرف أنني متردد لأني أشعر أن هنالك خطأ ما. ربما لا يكمن الخطأ فيها، ربما يكمن الخطأ في مجال دراستنا. حيث إننا ندرس التسويق. لا أستطيع أن أقول إنني أحب دراستي..ليس لدي شيء محدد أحبه..لا أحب سوى الألعاب الإلكترونية والبلايستيشن، ولا مجال لدراسة الجانب الممتع من تلك الأشياء بالتأكيد. فلا يوجد مجال لدراسة القصة والمعارك الخاصة بالألعاب، كما أنني عندما أخبرتُ أهلي برغبتي في دراسة كيفية صناعة تلك الألعاب، لاموني على استهتاري بمستقبلي. ونصحوني بدراسة التسويق حيث صار المجال الأهم في العالم في الوقت الحالي. منذ صغري وأنا مُقدر لتلك الدراسة. يقول أبي إنني يجب أن أكون مُسوقًا بارعًا، لأني في النهاية مُنتج، إذا لم يتم تسويقه بنجاح ولم يلقَّ الرواج المطلوب، سيموت. وعندما أجادله في هذا الشأن يقول لي: -أنا مش هعيش لك العمر كله. فأبي يعمل كبلوجر منذ حوالي عشرين سنة إلا أقل قليلًا. أعرف جيدًا أنه لم يصل للسنة العشرين، لأنه لم يوثق احتفاله بها مع متابعيه بعد. اعتاد كل عام على توثيق تلك اللحظات. يضع الكاميرا في الصالة، ثم يدخل من الباب المُغلق ويضغط على زر الإضاءة، ليتفاجئ بصرخات الموجودين في الصالة، وهم يهنئونه بعيد ميلاده الرقمي. ويقدمون الهدايا ويلتقطون الصور. دائمًا يشارك أبي هذا المقطع كل عام مع كتابة كلمات مختلفة حول رحلته الطويلة، ويشكر المتابعين الذين شاركوا تلك الرحلة الطويلة، ولم يفوت بعضهم تهنئتهم بنفسه. وفي نهاية هذا البيان يُشكر مصنع أو اثنين من مصانع الحلويات الذين أصروا على تهنئته بطريقتهم الخاصة بتلك المناسبة التي تظهر منتجاتهم فيها. ظهرتُ مراتٍ لا تحصى في مقاطع مع أبي في كل مراحلي السنية. لذلك يعرفني جميع من بالجامعة لدرجة تخيفني أحيانًا. يُنادني أحيانًا أحد الدكاترة في محاضرة وهو يقول واضعًا كفيه فوق بعضهما البعض بمسافة قصيرة: -أنا عارفك من وأنت قد كدا! ثم يحكي أنه تتبع ظهوري منذ الولادة وحتى اللحظة التي يفخر فيها بأنني أحد طلابه. وفي مرة من المرات طلب مني أحد الدكاترة أن ألحق به في مكتبه، ظننتُ أنني تسببتُ في مشكلة، أو أن علاماتي ليست على ما يرام وهو يود الاجتماع بي لمناقشة ذلك. لكني فوجئتُ بي يطلب مني أن يظهر مع أبي لبعض الدقائق في إحدى مقاطعة المصورة، هززتُ رأسي وأخبرته أنني سأخبره بالتأكيد، وسيسعد بذلك. ربما لا يكمن الخطأ في مجال دراستنا، بل فيَّ أنا.
2
ناولتني لبنى كوبًا من عصير الخوخ دعتني إليه من كافتيريا الجامعة وهي تقول غامزة: -أنا عارفه إن عصير الخوخ مشروبك المفضل. هززتُ رأسي في خجل وأنا أضع الشفاطة في فمي. ظنت أني شعرتُ بالخجل لأنها كشفت شيئًا شديد الخصوصية في شخصيتي، لكن الخجل منبعه أنني اعتدتُ مثل تلك المواقف. كل يومين أو ثلاثة أيام يتكرر ذلك النمط مع منتج مختلف..أعرف أنك تحب الدجاج المقلي من هذا المطعم..هذه الملابس..ذلك النوع من الألعاب..أعقاب السجائر ذات الفلاتر بيضاء اللون..أفلام الأكشن..كل بضعة سيتكرر ذلك الموقف، في البدء كنتُ استغرب تلك المواقف لكن أبي علمني كيفية التعامل معها: -أولًا عليكَّ أن تُبدي الدهشة لقدرة الآخر على الوصول لتلك المعرفة. يقول أبي إنني يدرك أن الأمر بالتأكيد يتعلق بمشاهدته لأحد المقاطع الخاصة بي ومعرفته بتفضيلاتي، لكن تلك الدهشة والتساؤل عن كيفية المعرفة، تُعطي قدرًا من الاحترام للطرف الآخر. -ثانيًا، عليكََ أن تعبر عن أسباب تفضيلك لذلك المُنتج. يقول أبي إنك في الغالب ستسوق الأسباب نفسها التي ذكرتها في المقطع الذي شاهده الطرف الآخر، لكنه في النهاية سيشعر أنك مُتسق مع ذاتك. -ثالثًا، عليك في بعض الأحيان، أن تقول إنك غيرتَّ رأيك وصرتَّ تُفضل منتجًا آخر. يقول أبي إننا لا يجب أن نلجأ لذلك التكتيك سوى في حالات نادرة تتعلق بتراجع شعبية المنتج، أو بتصادف اقتراب إصدارنا لحملة تسويقية لمنتج منافس. وعندما أخبرته أن ذلك قد يعطي انطباعًا بأننا لسنا متسقين مع ذواتنا، ابتسم وأخبرني بأن العكس تمامًا هو ما سيحدث، وستزداد مصداقيتك بحكم أن رأيك نابع فقط من رأسك، ولا ترضخ لأي نوع من الضغوط. في الواقع لا تعلم لبنى أنني لا أحب عصير الخوخ لهذه الدرجة، بل لا أحبه بتاتًا. لكني لم أخبرها بذلك، حتى لا تشعر بأني أعني شيئًا آخر، أو أنني لم أقدر جهودها في البحث عن تفاصيلي الشخصية.
3
يعتبر أبي من مؤسسي تلك المهنة إلا أنه لم يخترها بإرادته هو الآخر. ولذلك يقول لي دائمًا إننا لا نختار بل إن القدر هو من يختار. ورث أبي عن أبيه الذي توفى وهو في الجامعة قدرًا من المال أنفقه على فتح مطعم ثم الزواج من أمي. ظل المطعم يعمل لفترة بصورة جيدة وعمل أبي على توسعته. وعندما حملت أمي بي، جاء فيروس كورونا واضطر لإغلاق المطعم لفترة والإنفاق من جيبه على الإيجار والعمالة، وعندما صدر قرار بعدها بفترة بفتح المطاعم مرة أخرى، لم يكن مطعم أبي من ضمنها، حيث أغلق نهائيًا بسبب الإفلاس. لم يُطق أبي في ذلك الوقت الحياة مع زوجته الحامل دون غطاء مادي يكفي على الأقل لزياراتها للأطباء، ثم للولادة. وكما أنه انتظر طويلًا رؤية أول مولود له، فإنه حمل الكثير من الهم حول ما ستأتي به الأيام من مصروفات لابد منها. حينذاك وهو محاصر بتلك الظروف الضاغطة على الأعصاب بدأ يصور بهاتفه الجوال يوميًا من باب التنفيس عن نفسه ومشاركة الآخرين الذين لم يعد يراهم بسبب الوباء. بدأ يصور مقاطع يقدم فيها نصائح للآخرين حول الحياة الزوجية، مقاطع أخرى حول إدارة المشاريع الشخصية وتوسعتها. ومع الوقت بات لديه الكثير من المتابعين، ومع الوقت باتوا يكررون عليه أسئلتهم وهو يرد عليها، حتى صار الواجهة الأشهر التي تلجأ إليها الشركات المُعلنة بحكم عدد المتابعين الكبير. أخبرني عديدًا من المرات أن ذلك الرزق الواسع أتى بسبب رغبته في عدم الاستسلام. وقال لي إنه ترك لي طريقًا سهلًا يمكنني السير فيه دون أن أمر بنفس العقبات التي مر بها. أخبرته أن لديه كل الحق بالتأكيد لكني أود الاشتغال فيما أحب. -طب أنت بتحب إيه؟! حينذاك لم أجد إجابة مقنعة لذاتي يمكنني إخباره بها، فقلتُ أول ما خطر ببالي: -الفيديوجيمز أخبرني أنه سيشجعني على ذلك. جلب لي كل الألعاب التي تمنيتها وطلب مني أن أقدم محتوً مصورًا عنها. صرتُ أجلس لساعات ألعب وأعلق بصوتي على قراراتي في اللعب ومفاجآت المنافسين. بدا الموضوع ممتعًا في بداية الأمر. لم أتخلص من الجهد المبذول لأبدو شخصًا مغايرًا للآخرين، لكنه على الأقل بات جهدًا أقل. كررتُ ذلك مرة، اثنتين، ثلاثة، حققت ملايين المشاهدات منذ أول مقطع بفضل مشاركة والدي لما أفعله. وانهالت عليَّ التعليقات التي يحثني بعضها على تعديل أسلوبي في اللعب واللعب بشكل مختلف لأني أبدو هاويًا، بينما يحثني بعضها الآخر على ترك الألعاب وفعل شيء آخر ذا قيمة. لم أتحمل ذلك، وأخبرتُ أبي أنني سأتوقف، وهو تقبل على مضض.
4
ألمح إليَّ طارق أنه لم يعد يراني سوى شاردًا معظم الوقت، وأرجع ذلك أنه رآني عدة مرات واقفًا بصحبة لبنى. أخبرته أنه لم يحدث بيننا شيء بعد، فواصل مزاحه حول الأمر كأنه لم يسمعني. حكيتُ له عما يدور داخلي حول تلك العلاقة، فعلق: -أنا عارف آه إنها بتقدم محتوى له علاقة بالميكاب والحاجات بتاعت البنات! -طب وأنت شايف إيه؟! -أنا عارف إن موضوع المحتوى ده كدا كدا مش في دماغك أوي..بس عادي اللي عنده ميزة بيستغلها! سكت للحظة ثم تابع: -أنا عارف إن عندك مميزات تانية في شخصيتك..بس دي أكتر ميزة الناس شايفاها. هززتُ رأسي مدركًا أن لديه حق، وقلتُ لم لا؟! عدتُ إلى المنزل بشوق وأنا أشعر برغبة حارقة في الجلوس أمام الكاميرا وحكي كل شيء حول تلك العلاقة المحتملة أمام الناس. مشاعر الإعجاب، عصير الخوخ، الكلية..شعرتُ أنه سيكون لديهم ما يقولونه إليَّ بخصوص تلك المشاعر التي أجربها لأول مرة. ثم بدأت أحكي..

