تخيلات بسيطة لمستقبل مبهم
أحيانًا أفكر في لعب اللعبة بالعكس، وبدلًا من التداعي الحر للذكريات وربطه بالحاضر، أن أحاول تخيل شكل للمستقبل. لا أعرف ما الذي يمكنني فعله في السنوات القادمة، لكنك لو سألتني في السابق عما أتخيل أني سأفعله الآن، ففي الحقيقة كنتُ سأخبرك بالضبط بما أفعله، ربما تأخر ذلك بعض الشيء، تأخر حد الشك في فعله، عدلت الخطط عشرات المرات وشاركتُ من حولي التشكك في كونها حقيقية. أظنني خلال خمس سنوات عندما أصير في الرابعة والثلاثين سأكون قد زرتُ دولًا أكثر من دول العالم. لا أعرف أين سأعيش حينذاك؟! ربما سأظل كما هو حالي في القاهرة، ربما سأجلس لاصطياد السمك في البيرو، أو لرمي فتات الخبز للبط في لندن، وربما سأتقهقر وأعود لاصطياد الأحذية البالية في ترعة القاصد بطنطا. لكني بلا شك، سأبحث عن فرص الاستمتاع المواتية، وسأحرص على ألا أفوتها.
من أكبر الإنجازات التي تزيدني فخرًا بذاتي أحيانًا، هي توقفي عن القناعة بأني أريد للآخرين أن يتذكروني بالخير الذي فعلته، أو بمشاعري الفياضة، أو باللعب، أو بالمزاح، لقناعتي التامة أن النبل يمكن في هذه التفاصيل، أن تؤمن أن ما تفعله لن يؤدي إلى أي شيء، حتى إنه قد لا يطيل بقائك في ذكريات الآخرين، لكنك رغم ذلك تفعله مدفوعًا برغبة داخلية في شيء ربما غير واضح، وأحيانًا هو أوضح ما تراه. إنها تلك الإنجازات التي لا أشاركها مع أحد لقناعتي بعمقها وإمكانية تصديرها لصورة سيئة عن الآخرين، وعن الحياة.
بالنسبة للكتابة لا أعرف مستقبلًا لي معها. لا أنظر لها بهذا الشكل. أنغمس فيها فقط واترك ما يحدث للحدوث، ذكرتني أمي منذ أيام بزيارة صاحبتها فيها للطبيب وعمري ما يزال سبعة عشر عامًا، وبينما نجلس على الكراسي الجلدية في عيادة الطبيب الذي لم يأت بعد، لاحظت انهماكي في استخدام الموبايل في الكتابة، وسألتني عن ذلك وقلت لها إنني أريد أن أصبح كاتبًا، وكانت تلك أول مرة أخبر أحدًا بإجابة حقيقية حول ما أود أن أصيره. اعتدتُ الإجابة على ذلك السؤال السخيف الذي يغازل الطموح بغثاثة "نفسك تطلع ايه لما تكبر يا حبيبي؟" بأي إجابة تخطر على بالي، مهندس، دكتور، مدرس، أي شيء. والآخر يكتفي بالرد "شكلك مهندس" أو يأخذ الأمر بجدية لا داعي لها ويخبرني أنه يريدني أن أعالجه. لا أتذكر ما كنتُ أدونه على الموبايل آنذاك، لكني أتذكر أنه كان بشاشة قديمة ولوحة مفاتيح تتسع للأرقام وبعض الأزرار الأخرى، بينما تُزاحم الحروف الأرقام من أجل استغلالها في كتابة الرسائل النصية المختصرة. أتذكر المراهق الذي كان يكتب باستخدام أداة سيئة في الكتابة كهذه، ولا أستطيع تفرقته عن الشاب الذي يكتب حتى يهاجم التهاب الأطراف يده فيُلقي بالقلم، أو ذاك الذي ربما سيكتب على تابلت في المستقبل. كلهم يملكون نفس الروح، بغض النظر عن إمكانية نشر ما يُكتب من عدمها.
البطل في معظم روايات صنع الله إبراهيم دائمًا هش في خضم حدث جلل، ليس مخدوًعا، وإنما يدرك حجمه وإمكانياته تمامًا، لكن ذلك لا يمنعه من الانحياز للجانب الذي يراه صائبًا. أعتقد أن حالة اللاسياسة التي نعاني منها لن تتغير على الإطلاق، قد تزداد وطأة القبضة، وقد تخف، لا أتوقع أن يغير ذلك من رأيي الكثير.
لعبة تافهة ولكنها مسلية؛ أتخيل كل ذلك وربما أموت قبل حدوثه، أتخيل كل ذلك وربما أموت دون حدوثه. ربما أموت وأحقق حلم ما بعد الموت بالتبرع بأعضائي لمن يحتاجونها، وربما لن تتبقى داخلي أعضاءً سليمة قد يشعر كائن سوى الديدان بالحاجة إليها.
ليس لدي تخيل حول الحب، عندما كنتُ صغيرًا كنت مقتنعًا أن تلك المشاعر لن تكون من حظي أبدًا لأسباب لا مكان لها الآن، لكني جربته أكثر من مرة. قد أقول إنني استخدمت سعتي الكاملة منه ولم يعد لي حظ منه بعد الآن، لكني ممتلئ بالمشاعر دائمًا، والحياة مليئة بالمفاجآت، قد يصيبني الحب في أي وقت. قد أكون ساراماجو الذي قابل بيلار بعدما جاوز الخمسين فعاشا معًا أجمل سنين حياتهما وأهدى كل كتبه، وقد أغدو تشارلز بوكوفسكي جديد على طريقة رائقة تليق أكثر بمروان. لكن المؤكد في النهاية وبعد كل ذلك أني سأظل أنام كل يوم، وأنا على قناعة أني فعلتُ كل ما بوسعي في هذه الحياة للعيش على طريقتي وعدم إزعاج الآخرين، وإن حاولت الحياة إجباري العيش على طريقتها أحيانًا وإزعاجي على الدوام.


كل منا يحمل في طيات روحه احلام تخص مستقبله اكثر اشراقة وجراءة رغم كل الاسباب التي نعيشها التي قد تمنع من تحقق احلامنا ولكن نعلم ان الخمس السنوات القادمة لا يضمن احد حدوث الشئ من عدمه نرى في المستقبل شاشة تعرض كل ما نتمناه تغمرنا الفرحة بمجرد التفكير فيه ، هل ستتحقق احلامنا لا نعلم هل سنستطيع عيشها كما نتمنى لا نعلم ما نعلمه انه مجهول غامض ولكنه مفرح لنا اذ يسعنا كتابة كل ما يبهجنا فيه