المنافسة على الهبوط (١٠)
لا يمكنهم أن يفوزوا علينا إلا لو لعبنا بتسعة لاعبين فقط
تقدم فريق شبين علينا بعد خمسة دقائق من صفارة بداية المباراة. واستمر تقدمهم ذلك طوال الشوط الأول. وفي الشوط الثاني مع تقدمنا ومحاولة تسجيل هدف سجلوا هدفهم الثاني.
كلما سجلوا هدفًا..كلما زاد تقدمنا. اقتنع لاعبونا أننا أفضل، بينما اقتنع لاعبوهم أنهم يستطيعون الفوز. وصلت النتيجة إلى أربعة أهداف لهم ونحن صفر، كأننا لم نبدأ بعد. ظل أمين جالسًا على الدكة، هنا أدركتُ أن لحظتي قد حانت، نهضتُ عن الدكة ووقفتُ أعطي التعليمات للاعبين.
لا أنكر أن دراية أمين بخطط اللعب والـ"تكتيك" وكل تلك الأمور التي تضع كرة القدم في قالب المادة العلمية حقيقية وليست مُزيفة، وتتفوق على ما أعرفه بحُكم عدم متابعتي بشغف لكرة القدم منذ تركتُ الملاعب، لكن يظل هنالك شيء لم يتعلمه بعد..لأنه لا يدرك أنه موجود.
لعبنا مباراة ودية استعدادا لبداية الموسم مع الزمالك عندما كان يُدربه محمود الجوهري. حينذاك لم أكن قد جاوزتُ العشرين وروحي ما زالت قادرة على مقاومة سموم كرة القدم، والتعاطي مع هموم الحياة بالإنكار. أعتقد أني لعبتُ أفضل مباراة في حياتي.
يتذكر الجميع مبارياتي الأخيرة مع النادي لتأثيرها البالغ وامتلائها بالمشاعر. إذا تذكرني أحد المشجعين، سيقول إني لم ينسَ أبدًا أدائي في تلك المباريات، أشكره، دون إخباره أنني أتمنى لو نسيته.
لكن تلك المباراة الودية التي لعبتها أمام الزمالك أعتبرها الأفضل. لا يوجد أي نوع من الضغوط..لا نحتاج للفوز..والمنافس لا يحتاج للفوز. لعبتُ بدافع شخصي وهو إثبات نفسي أمام كلاعب كرة موهوب أمام لاعبين حقيقيين يظهرون في التلفزيون مثل أشرف قاسم وأيمن منصور. كلما وصلتني الكرة أحرص على المراوغة والانطلاق بسرعتي. انتهت المباراة دون أهداف. لكني حققتُ منها هدفي الشخصي.
بعد المباراة سلمتُ على الجوهري. كانت يده عسكرية كما يقولون عنه. بمجرد أن يمس باطن يده باطن يدك ستزول الأفكار من عقلك ولو لبعض الوقت. سألني عن اسمي فقلت:
-أيمن
-بس بتلعب بشمالك أحسن.
اعتبرتُ تلك أفضل إشادة تلقيتها في حياتي. لم يعبر عن إعجابه الصريح بلعبي، لكن يكفيني أنه لاحظ كوني أعسر.
ظللتُ لعدة أيام أتتبع أخباره في الجرائد لعله يشيد بي، وانتظر انتقالي للزمالك. مات ذلك الحلم مقابل حُلم آخر أن نصعد ونلعب أمام الزمالك مباراة ينقلها التلفزيون وتبقى مراوغاتي فيها مُسجلة للزمن، لكن ذلك أيضًا لم يحدث. حيث تصادفت سنواتي في الملاعب مع صراع البقاء وليس الصعود.
لم تشد الجرائد بلعبي. فقط خبر عام حول المباراة أمام الزمالك ونتيجتها وبعض التفاصيل غير المهمة ولا شيء آخر. المهم أنني في تلك الفترة خلال متابعتي لأخبار الجوهري في الجرائد، وبعد فوزه مع الزمالك ببطولة، سألته الصحافة لماذا بقى جالسًا على الدكة بينما يعرف أن الفريق يحتاج للفوز، بينما شوهد وهو يقف على الخط طوال المباراة في الهزيمة أمام اليونان التي أطاحت به قبل عامين من تدريب المنتخب رغم أن النتيجة وصلت لستة أهداف مقابل هدف. حينها قال إنه جلس لأنه يعرف أن اللاعبين لا يحتاجون لسماع صوته في تلك المباراة، بينما وقف طوال مباراة اليونان كي يُدرك لاعبوه أنه يتحمل الخسارة المذلة معهم. عندما يرونه وهو واقف..يوجه ويلقي التعليمات عليهم، لن يفطنوا لما يدور، لكنهم بعد المباراة سيعرفون أنه على الأقل لم يتخلَ عنهم.
ظل أمين جالسًا على الدكة كأنه يحاول الاختباء، بينما نهضتُ وبدأت في الصراخ وتوجيه اللاعبين، صرحتُ فيهم رغم الخيارة بأربعة أهداف:
-المفروض ميكسبوناش غير لو بنلعب بتسعة!
سجلنا هدفًا وصرختُ بحماسة طالبًا من اللاعبين جلب الكرة من مرمى الخصم والعودة إلى نصف ملعبنا كي نلعب ونسجل مرة أخرى. لم يحدث ذلك بالتأكيد. لم يتبقَ الكثير من الوقت في المباراة. ولكن لم يفت أوان النجاة. ظل أمين جالسًا بينما اللاعبون يخرجون من الملعب ووجوههم في الأرض وأنا أطالبهم برفع رؤوسهم وعدم الخروج من الملعب قبل الاعتذار للجماهير. توجهوا للجماهير وقوبلوا بالسباب. لكن وجودي خفف عنهم بعض الغضب. أدركوا حينذاك في دواخلهم أنهم ليسوا وحدهم، وأنني لم أقفز من المركب.
كان أمين أكثر دراية مني بما يدور داخل الملعب. لكنه لا يُقارن بي حين نأتي لما يدور داخل اللاعبين.
تبقت ثلاث مباريات نحتاج للفوز بها جميعًا لتفادي الهبوط، من بينها اثنتين خارج ملعبنا. اهتزت ثقة أبطال الفيلم وارتطموا بواقع الملاعب القاسية مجددًا. لعبنا المباراة التالية خارج ملعبنا، وكان ذلك في صالحنا لأنهم لن يتحملوا ضغط جماهيرنا بعد إحباطهم من الهزائم المتتالية والوضع المأزوم. لم يعد اللاعبون يعتبرون أمين المراسي موجودًا بينهم، بدأ الانفصال بينهم يحدث. ترسخ في دواخلهم أنه لن يتحمل الهزيمة معهم وسيستغني عنهم جميعًا في حالة الهبوط، ويعد بجلب لاعبين جدد يليقون بحمل شعار النادي ويرتقون لطموحه، وهو ما سيؤدي لرحيل عشرة..أو خمسة عشر لاعبًا وجلب آخرين..كثير من الانتقالات..وكثير من السمسرة، وهكذا. حظيتُ باحترام اللاعبين، ليس من خلال الكلام، بل قدموا ما لديهم في المباراة. فزنا بهدفين سجلهما علاء، جاء إلى الدكة وقبّل رأسي بعد تسجيل الهدف الأول.

