المنافسة على الهبوط
كرة القدم ربما لن تعيش لي، قررتُ أنا الآخر ألا أعيش لها (3)
اعتدتُ زيارة علاء في بيته بعد كل مباراة نلعبها. مرت فترة حوالي شهرين أو ثلاثة شهور، كان يأتي فيها إلى النادي ويجلس في الخارج لمتابعة التدريبات. لكنه توقف عن القدوم من فترة. الفريق لا زال على وضعه، لعبنا 4 مباريات، ولم نفز سوى بواحدة منها، كنتُ أنا من سجلت هدف الفوز ذاك وسط زحام من لاعبي الفريقين. عندما زرتُ علاء عرفتُ أنه كان يأتي ليناقش مسألة علاجه مع المسئولين عن النادي، وانقطع عن المجئ بعدما يئس من علاجه بعدما وعدوه الكثير من الوعود، التي أخلفوها بحجة أن الفريق لا يسير بشكل جيد.
آنذاك ظهر ذلك الرجل في حياتي مجددًا بعدما ظننته نصابًا، وأخبرني بالذهاب إلى طنطا من أجل الكشف الطبي في بداية الأسبوع القادم، ثم الذهاب للمجلس المحلي لاستلام الوظيفة بعدها بيوم مباشرة. هززتُ رأسي ونفذتُ ما قاله. لم أصدق أنه لم يكن نصابًا، وبعد بيع أمي لذهبها، وإصابة علاء التي جعلتني أدرك أن كرة القدم ربما لن تعيش لي، قررتُ أنا الآخر ألا أعيش لها. ومع بداية الأسبوع التالي استلمتُ عملي، في اليوم الأول حملت سيدة لطيفة في سن أمي ملفي في يدها، لتوقع عليه التوقيعات النهائية من المديرين المسئولين عني أنني سأكون تحت إمرتهم بحكم الوظيفة. دخلتُ إلى مكتبها في الصباح، عزمتني على الشاي، وقالت لي إن هنالك قطعة جاتوه متبقية منذ احتفال الأمس، لم تذكر المناسبة، فتحت الدولاب المعدني وأخرجتها في علبة لونها بلون الفويل. كان بداخلها قطعتين، تناولت واحدة وأعطتني الأخرى عن طيب خاطر. انتهيتُ من ذلك سريعًا. وبدأنا جولتنا على المكاتب. اقتضى الروتين أن تسير أمامي حاملة الملف وأنا خلفها وتدخل بي مكتبًا مكتبًا. أول مكتب كان على الغرفة على يمين مكتبها. أشارت إلى الجالس خلفه، وقالت لي الأستاذ…مدير…
-أهلًا وسهلًا
تأملني الرجل ثم وقع على الورقة. المكتب التالي، الأستاذ … مدير … لم يكلف الرجل نفسه بالنظر إلىَّ، وقع على الورقة وقال:
-ألف مبروك
كأنه يطلب منا أن نغادر لأننا قطعنا عليه خلوته. لم أتذكر أسماء هؤلاء الناس آنذاك لأني لم أكن منتبهًا بالقدر الكافي. لم أكن بعد قد استوعبتُ التغيير الذي يجري. ما أكد لي ذلك هو المكتب الثالث الذي دخلناه في الدور الثاني، حين دخلنا على الأستاذ عرفه مدير لجنة التشجير بالمجلس المحلي، وضعت الملف أمامه وأشارت نحوي، نظر إلى الملف وقبل أن يوقع رفع عيناه إليَّ، وقال في دهشة:
-الله! كابتن أيمن..عارفه طبعًا..أنت جاي تشتغل معانا هنا؟! ده أهلًا وسهلًا..
فهمتُ من معرفته بي وترحابه الشديد أنه مشجع لفريق المالية. أرى على وجهه أن بداخله الكثير من الأسئلة، لكني للأسف لا طاقة لي للإجابة عليها. وقّع على الورقة. وقال لي بلهجة ودية:
-احنا دلوقتي بقينا زمايل بقى..عدى عليا هنا في المكتب في أقرب وقت..أنا زيك أخوك بالظبط.
لا أعرف هل فطن لما دار بداخلي أم لا. لكنه تصرف بكياسة وددتُ لو شكرته عليها. ثم تابعنا جولتنا المملة على بقية المكاتب.
لم أتوقف عن الذهاب إلى النادي. تغير المدرب الذي لم يكن يحب أحدًا بكابتن رمزي، رمزي عبد المهيمن، الذي كان يدرب الفريق عندما بدأت أتابع وأحب كرة القدم وأنا صغير. طوال حياتي لم أحلم أن يدربني أو يناديني باسمي، ولكن عندما حدث ذلك، كنت قد صرتُ شبحًا، اسم يرتدي التيشيرت رقم 10 بلا روح داخله. بدأنا معه بمردود أفضل كثيرًا من المباريات السابقة. لكن النتائج لم تساعدنا. حققنا تعادلين، وخسرنا مباراة. جلستُ معه بعد إحدى المباريات وأخبرته أنني صرتُ موظفًا وبات من الصعب عليَّ الآن الاستمرار في اللعب. تحدث معي حول ذلك مطولًا، ربت على كتفي وقال:
-النادي محتاجك، بس مستقبلك أهم.
واتفق معي ضمنيًا على الاستمرار معه حتى نهاية الدوري وتفادي الهبوط. ثم أنا والنادي، يذهب كل منا في طريقه. كنا في المركز الأخير في الدرجة الثانية. لم أجرب ذلك الشعور قبلًا. طوال متابعتي للفريق وبدايات لعبي كنا ننافس دائمًا على الصعود للدرجة الأعلى، لم يحدث ذلك سوى مرة واحدة شاهدتها وأنا صغير. ولكننا على الأقل في دائرة المنافسة دائمًا. لم أجرب ذلك النزول للأسفل، ولا أعرف حتى ما يحدث تحت في الدرجة الأدنى، كل ما أعرفه عنها أنها مليئة بمراكز الشباب.
سألتهم في العمل عن المهام الموكلة إليَّ. شرح لي الأستاذ صيام الجالس في المكتب إلى جواري، وهو يمسك بورقة عريضة بين يديه، بأن الأمر ببساطة أننا مسئولون عن هذه الورقة. حين يدخل المواطن بها، ننظر إلى الأعلي، نتأكد من الرقم القومي. نتفقد التوقيع في أعلى اليمين، والختم الخاص بالمصلحة في منتصف الورقة. ثم أوقع وأناوله تلك الورقة ليوقع هو عليها ويضع الختم. لا أعرف مصير الورقة بعد ذلك، لكنها تدور دورتها لجمع التوقيعات والأختام في بقية المكاتب. بينما أبقى أنا جالسًا في مكاني أسمع صرير مروحة السقف المعدنية وأتسلى بالتطلع إلى الورقة التالية في انتظار أن يبرد كوب الشاي.
سعدت أمي أيمَّا سعادة بهذا التغير في حياتي. ولكنها لاحظت أنني غير سعيد. كانت تسمع من الجيران حول الوضع الذي يمر به الفريق. لم تطالبني صراحة أن أترك الكرة لغير رجعة، لكنها ألمحت إليَّ بوضع الأمر في تفكيري. خاصة أني لم أعد أتقاضى شيئًا بسبب الخصومات الموقعة علينا نتيجة وضع الفريق الصعب في الجدول. لم أناقش الأمر معها، كانت حياتي في الملاعب قد انتهت إيكلنيكيًا. تحسن أدائي كثيرًا في المباريات المتبقية. وتحسنت النتائج، لكني رغم إشادة الجميع بي، بتُ أشعر أني لم أكن أيمن الذي كان يلعب في السابق. تبقت ثلاث مباريات في الموسم، ونحتاج للفوز في واحدة فقط. اثنتان على أرضنا لحسن الحظ، وواحدة في البحيرة. خرجتُ من مجلس المدينة في يوم المباراة الأولى إلى الملعب مباشرة دون المرور على البيت. كانت المباراة أمام بلدية المحلة. وكانوا ينافسون على الصعود. هم أيضًا يجب أن يفوزوا بهذه المباراة، لكن دوافعهم للفوز والهرب من هذه الدرجة الفقيرة في كرة القدم، تختلف عن دوافعنا في محاولة البقاء فيها. استقبلنا هدفًا في الدقائق الأولى للمباراة. لا أعرف ما الذي حدث. كل ما أتذكره أنهم بمجرد تصفير الحكم، لعبوا للأمام واستمروا في الضغط الذي لم نتوقعه. كنا نتوقع أن نستفيد نحن من ذلك الضغط. وبينما نحن في ارتباك من يريد إحراز هدف بأي طريقة، وجدنا أنفسنا ندافع حتى لا نستقبل هدفًا. ثم نستقبله في أول ثلث ساعة من المباراة.
ظلت الكرة مُعلقة في الهواء بعد ذلك ولم تلامس الأرضية الخشنة للملعب سوى قليلًا. بمجرد نزول الكرة للأرض ولمسها من أحد لاعبينا. يتدخل لاعب من عندهم ويشتت الكرة بأقصى سرعة في أي اتجاه السماء. ترتفع وأسمع دقات قلبي في انتظار عودتها للأرض مجددًا. ثم يرتفع أحد لاعبيهم ويرتقي برأسه ليناول الكرة لزميل له. يمرر لآخر بينما نحاول استعادتها مجددًا. ثم تصويبة في السماء وهكذا. لم نتمكن من مجاراتهم بدنيًا. انتهت المباراة بفوزهم وشهدت جماهيرنا فرحتهم باقتراب صعودهم على أرضية ملعبنا.
غادرتُ الملعب بينما أتلقى الشتائم التي لم أسمعها. رأيت الكابتن رمزي يحاول تهدئة الجماهير بيديه، تذكرتُ أمي، وعلاء، والأستاذ عرفه، زميل الوظيفة الذي أخبرني أنه سيصطحب أولاده للمباراة للوقوف إلى جانب الفريق. نمتُ دون أن آكل. لم أذهب للمجلس المحلي في اليوم التالي. عندما عدتُ في اليوم الذي يليه، قال لي الأستاذ صيام:
-أنت ايه اللي جابك النهارده بس يا راجل؟!
ظننته يتهكم، لكنه تابع:
-أنا كنت ناوي أخلص اللي في إيدي وآخد إذن ساعة أفوت أطمن عليك. الناس قالولنا إنك خرجت من الماتش متعور. أنت كويس دلوقتي؟!
اكتشفتُ أن تلك القناعة لم تكن لدى الأستاذ صيام فقط. فقد لاحظتُ أن الجميع يطمئن عليَّ كأني خرجتُ مصابًا بالفعل. طمأنتهم على حالي وسألت نفسي؛ ولكن هل خرجتُ سليمًا فعلًا؟!

