المنافسة على الهبوط (6)
عشتُ حياة الاحتراف داخل الملعب، وخارجه لم أكن على قناعة بأني مُحترف
في أول يوم لي في النادي ذهبتُ قبل المران بنصف ساعة. خرجتُ من المجلس المحلي وغيرتُ ملابسي ثم اتجهتُ إلى النادي مباشرة. جلستُ على دكة البدلاء انتظر وصول أمين المراسي واللاعبين. وصل اللاعبون واحدًا وراء الآخر وبدأوا في السلام عليَّ. بدا سلامهم نيئًا. لا أستطيع الجزم أنني غير مُرحب بوجودي، ولكنهم لم يبدوا مرحبين بمدرب جديد عليهم. أو بشكل عام لم يُشكل الأمر فارقًا بالنسبة إليهم. لاعب واحد فقط كان أكثر ترحابًا. قال لي إنه كان يتذكرني وأنا ألعب ويشاهدني وهو صغير. شكرته رغم أني لم أكن أعرفه. لم أكتفِ فقط بالانقطاع عن متابعة مباريات الفريق بعد تركي له. انقطعتُ عن متابعة كرة القدم بشكل عام. لا أتذكر أنني فتحتُ التلفزيون لمشاهدة أية مباريات في ذلك الوقت سوى المباراتين الأخيرتين للمنتخب الوطني في كأس الأمم 1998 ومباريات البرازيل في كأس العالم في السنة نفسها. كنتُ أشاهد المباريات بروح مختلفة، أدرك أنها مباريات ممتعة، ولكني رغم ذلك لا أستمتع بها كالسابق. ربما في داخلي لم أجد أي جدوى للمتابعة، لم تعد مشاهدة مراوغة لعبد الستار صبري أو تلاعب بالقدمين لحازم إمام بنفس المقدار من المتعة، ربما لأني استسلمت أنني لا سبيل لي لتقليد تلك الحركات على أرض الواقع. عندما حضر أمين تلقى التحية بكثافة أكبر مني، أو هكذا تخيلت، كان يرتدي الشورت والتيشيرت الأسود، ويضع على رأسه قبعة حمراء ويرتدي نظارة شمسية لا يخلعها أبدًا، يُعلق صفارة في رقبته، وكلما أراد تنفيذ أمرٍ جديد يُصفر ثلاث تصفيرات. لا أتذكر أنه تحدث كثيرًا. بدت تدريباته مختلفة لي تمامًا. لم يجمع اللاعبين قبل التدريب لقراءة الفاتحة أو لإلقاء خطاب تحفيزي يومي يمّلُ منها اللاعبين لأنه مُكرر، غير متجدد، وغير فعال. اكتفيتُ بالمشاهدة في أول يوم والتدخل في بعض الأجزاء البسيطة؛ لاعب يخطئ في استلام الكرة فأريه الطريقة الصحيحة، أو لاعب يقف بشكل خاطئ فأذكره بمكانه. لم أبالغ في تدخلي لأني لم أتعرف عليهم بعد وما زلتُ أحتاج لبعض الأيام لاستعادة درايتي بما يحدث في الملعب. بعد التدريب أخبرتُ أمين بذلك، فهز رأسه وقال: -أنا عارف متقلقش..خد وقتك. مرت الأيام الأولى على هذا المنوال. أخرجتُ كافة الترينجات والأطقم الرياضية من الدولاب ونقعتها في الماء لتستعيد لمعتها. وعثرتُ على دفتر قديم اعتدتُ فيه كتابة طرق التدريب والتكتيك داخل الملعب. ظل ذلك الدفتر يرافقني منذ الطفولة وحتى الآن. أشتراه أهلي لي ككراسة للمدرسة استخدمها لكل المواد. لكني كنت أذهب إلى المدرسة، وأشعر بالفراغ، فأخرج الدفتر لأدون فيه كل ما دار في تدريبات الأمس في النادي. تكررت التجربة أيضًا في الجامعة حتى بات لدي عدة مناهج للتدريب. طلبتُ من أمين أن يخطط لإقامة بعض المباريات الودية للفريق قبل عودة المباريات الرسمية، حتى نجرب اللاعبين وأساليب اللعب المختلفة. لكنه رفض وتعلل بأنه لا يريد أن يعرف المنافسون شيئًا عنا. واقتنعتُ بحجته. كنا بحاجة لتلك المفاجأة عند عودتنا..دفعة أولى..الفوز في مباراتين أو ثلاث ونصبح في وسط الجدول، ثم يبدأ الجميع في الانتباه إلينا.
أتذكر أن أمي قبل وفاتها بحوالي سنتين ألحت عليَّ في مسألة الزواج، وقالت كثيرًا إنها تُريد أن تطمئن عليَّ. لكني لم آخذ إلحاحها أبدًا بجدية. في الطفولة كنت كغيري في مدرسة للصبية فقط، وحتى في سنوات الجامعة حين يجد خريج مدارس الصبية مثلي فرصة للاحتكاك عن قرب بالجنس الآخر، لم أكن مهتمًا بذلك كثيرًا. في معظم الوقت لم أذهب إلى الجامعة لأني كنتُ مهتمًا باللعب والتدريب فقط. لم أخرج مع فتاة سوى مرة في سنوات الجامعة سوى مرة واحدة فقط. تحدثت هي عن كل شيء، وأنا لم أجد شيئًا لأقوله. كانت تعرف أنني ألعب الكرة في الجامعة. سألتني عن ذلك فاكتفيتُ بقول إنها أكثر شيء أحببته منذ الطفولة. لم أخبرها أنني ألعب الكرة بشكل احترافي. أولًا لأني لا ألعبُ لنادٍ كبير. وثانيًا لأني لا أتقاضى رواتب المحترفين، ولا أعيش حياتهم..لو كنتُ محترفًا لجلسنا في فندق لا كافتيريا مجاورة للجامعة. عشتُ حياة الاحتراف داخل الملعب، وخارجه لم أكن على قناعة بأني مُحترف.
لا أعرف ألو أخبرتها بذلك، فهل كان سيُشكل فارقًا؟! أكانت ستشجعني عليها؟ أم كانت ستتظاهر فقط بالاهتمام من باب الذوق؟!
ولو شجعتني، أكان تشجيعها لي سيستمر حتى النهاية؟! أم سيرضخ أمام قوانين العصر بعد التخرج وتبحث عمن هو جاهز..أو ستكون أكثر تواضعًا وتبحث عمن يعرف من أين تؤكل كتف الدنيا..ثم تُصاب بالصدمة لأنها اكتشفت أنني لست ذاك الشخص..وعندما يسألها الآخرون عن سبب انتهاء العلاقة تتهمني بـ"عدم الجدية"
ولكن هل شجعتني أمي نفسها؟! أم أنها تظاهرت بتشجيعي فقط هي الأخرى؟!
هل كانت تحب اهتمامي بالكرة حقًا وكرهتها لأنها لم ترَ فيه مصلحتي..أكانت الكرة تُعطلني حقًا؟! أم تُعطل مشروع زواجها هي؟!
حان موعد المباراة الأولى لي كمدرب للفريق. دخلتُ إلى غرفة الملابس الموجودة أسفل المدرجات وأنا أسمعها ترتج من توافد الجماهير عليها. اشتقتُ كثيرًا لهذا الشعور. دخل أمين ووضع الخطة على السبورة وتحدث هو إلى اللاعبين. انتهت المباراة بفوزنا بهدفين لهدف. لم تتوقف الجماهير عن الترحيب بي قبل المباراة، ولم يتوقفوا عن تحيتي بعد تحقيق أول فوز منذ فترة. شعرتُ بالسعادة الغامرة، رغم أني اكتشفتُ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل. إنني رسميًا مدرب الفريق وأمين المراسي هو مساعدي. لكن في الحقيقة وفي غرف الملابس، أمين المراسي هو صاحب القرار في كل شيء، وأنا مجرد واجهة.

