همنجواي وجبل الجليد
قدمت الأديبة الأمريكية چويس كارول أوتس خلال ورشتها التي أعقبت الـMasterClass الخاص بكتابة القصة القصيرة، تحليلًا لقصة إرنست همنجواي (المعسكر الهندي). وخلال مناقشة بعض المواضع المبهمة في القصة، ارتأت التأكيد على تقنية "جبل الجليد" التي يكتب بها همنجواي. والمقصود منها إظهار بعض الأجزاء الواضحة خلال الكتابة ليفهم من خلالها القارئ مواضع غير موجودة في النص. كالبحار الذي يرى من خلال المنظار قطعة من الجليد تطفو فوق سطح البحر، فيستنتج بخبرته أنها تخفي أضعاف حجمها تحت الماء.
تحكي أوتس عن طريقة تطبيق همنجواي العملية لهذه التقنية. فتقول إنه كان يكتب بقلم رصاص على الورق. يبدأ كتابة كل ما يدور في ذهنه حتى يصل إلى عبارة بعينها يدرك من خلال خبرته أنها ستكون العبارة الأولى التي يبدأ بها القصة، فيمحو كل ما يسبقها بغض النظر عما يحمله من معلومات. ورشحت للقراءة والتعرف أكثر على هذا الأسلوب كتاب همنجواي عن بداياته في باريس بين الأدباء، (وليمة متنقلة).
ينقل همنجواي في (وليمة متنقلة) انفعالاته خلال الكتابة بهذه الطريقة قائلًا: "
كانت القصة تكتب نفسها، وكنت أجد صعوبة في مجاراتها. فطلبتُ رم سان چيمس آخر، وأخذت أراقب الفتاة كلما رفعت رأسي، أو عندما كنت أبري القلم الذي كانت تتجمع رقاقاته الملتوية في الصحن تحت كأسي. ثم عدت إلى الكتابة، وأوغلت بعيدًا في القصة وتهت فيها. وصرت أكتبها وما عادت تكتب نفسها، ولم أرفع رأسي، ولم أعرف شيئًا عن الوقت، ولم أدرِ أين كنت."
ويؤكد على استخدامه لتقنية جبل الجليد عن عمد في موضع آخر خلال حديثه عن قصة أخرى كان يكتبها يقول: "كانت القصة عن الحرب، بيد أنه لا ذكر للحرب فيها."
ترى أوتس إن اختيار همنجواي لهذه الطريقة يرجع إلى ثقته التامة في القارئ، الذي سيقرأ كل كلماته بتمعن بحثًا عن معانيها التي لا ترد بشكل صريح. بينما أرى أنه على النقيض لا يهتم بهذه التفاصيل حول قراءة أعماله، بل يهتم بأن ترضيه تمامًا، وبذلك قد تُرضي آخرين.
يظهر ذلك جليًا في نقده لسكوت فيتزچيرالد قبل أن يصبحا صديقين حميمين، حيث يحكي عن سوء فهم حدث في بداية تعارفهما قائلًا:
"لقد كتب قصصًا لجريدة (بريد السبت المسائية) التي كانت واسعة الانتشار، ولكني لم أعدّ كاتبًا جادًا مطلقًا. كان قد أخبرني في مقهى (بستان الليلك) كيف كتب ما ظنه قصصًا جيدة ثم أجرى بعض التغييرات عليها قبل تقديمها إلى الجريدة لأنه يعرف بالضبط كيف ينبغي تعديلها لتصبح قصصًا تشتريها المجلات. صدمني ذلك وقلت إنني أظنه نوعًا من البغاء.
وقال إنه البغاء ولكنه كان مضطرًا لذلك لأنه يكسب المال من المجلات ليتوفر لديه ما يكفي لتأليف كتب محترمة.
وقلت إنني لا أصدق أن أحدًا يستطيع أن يكتب بأي كيفية أخرى ما عدا الكيفية التي تُظهر أفضل ما عنده ولا تُسيء لموهبته.
وقال إنه ما دام كتب قصة حقيقية في البداية فإنه لا يُضيره أن يحطمها ويغيرها في النهاية.
لم يكن بوسعي أن أصدق ذلك وأردت أن أجادله ولكنني كنت بحاجة إلى رواية لدعم وجهة نظري وتبيينها له وإقناعه بها، وأنا لم أكتب بعد مثل تلك الرواية."
كما يقول في موضع آخر حول متعة انهاء كتابة ممتعة بغض النظر عن النتيجة المنتظرة منها:
"بعد كتابة كل قصة كنت أشعر بالجوع، ويداخلني إحساس بالمتعة والسعادة في آن واحد، كما لو كنت قد مارست الجنس. وكنت متأكدًا من أن تلك القصة جيدة جدًا على الرغم من أنني لم أكن أعرف حقًا مدى جودتها حتى أقرأها مرة أخرى في اليوم التالي."



