المنافسة على الهبوط (5)
ربما شعرتُ بالغيرة، وربما شعرت بالغضب لأن كل من حولي يرى مصلحته ما عداي
حضر إلى المكتب ودخل باحثًا عني، ثم جلس أمامي قائلًا:
-ازيك يا كابتن؟
رددتُ التحية وأنا أحاول التعرف عليه، لكن لإدراكه أننا لم نلتقِ مسبقًا قال:
-أنا أمين المراسي.
هززتُ رأسي ورحبتُ به. قلتُ له في التليفون “هشوف وأقولك” ولم يجد جديد. لم أفكر في العرض الذي تلقيته، لأنه بالنسبة إليَّ لم يكن هنالك خيار. أنهيتُ حياتي في الملاعب بيدي، ولا سبيل لإعادتها مجددًأ. ولو في صور أخرى.
-أنت مش متخيل أنا تعبت قد ايه عشان أوصلك!
منذ ابتعدتُ عن الملاعب ولم يزرني أحد من زملائي السابقين. كلهم يعرفون أنني أعمل هنا. ولكن لم يأت أحد لزيارتي. لم يحاول أحدهم الاتصال بي سابقًا. الحياة مشاغل. ولم أكن أنتظر شيئًا على كل حال. خاصة أني يتصل بي واحد لم ألتقيه مسبقًا.
-احنا دلوقتي في نص السيزون وأنا عايزك تيجي معايا مدرب.
-مدرب مساعد؟
-لا طبعًا. أنت المدرب وأنا المساعد.
-بس أنا من ساعة ما بطلت مدخلتش ملعب. اخترتني أنا ليه؟
-النادي محتاجك أنت مش حد تاني.
لم أعطه ردًا.
-تشرب إيه؟
-لا مش دلوقتي. هعدي عليك بكرا تكون فكرت وساعتها نشرب.
نهض وغادر.
بعدها دخلتُ إلى مكتب الأستاذ عرفه لتوقيع بعض الأوراق، فسألني وهو يعاين الورق:
-وأنا داخل الصبح شوفت ابن رئيس النادي عندك في المكتب..هو افتكر إن ليك فلوس وجاي يديهالك ولا إيه؟!
-لا ده كان جاي يسألني على حاجة ومشي.
-أنا قولت زمانه بيلف لفة على الناس اللي ليها فلوس يديهالها عشان ربنا يكرم ونكسبلنا كام ماتش!
وقع الأوراق وناولني إياها، وغادرت وأنا أفكر في الأمر بجدية هذه المرة. لم أعرف أن أمين المراسي على علاقة برئيس النادي، ظننته شابًا لا يجد ما يفعله، ويدفعه للفراغ للحلم والتفكير في التدريب. كنتُ شابًا مثله وأعرف عبث الشباب. غادرتُ المجلس المحلي إلى البيت، ولم أمكث كثيرًا كالعادة. ماتت أمي ومنذ ذلك الوقت لم تعد بي حاجة للبقاء في البيت. سخنتُ بواقي الطعام وأكلتها وخرجتُ لأشرب شاي بعد الغداء في المقهى المطل على النيل. اشتريتُ الجريدة التي يصدرها المجلس المحلي لأول مرة، وفتحتُ صفحة الرياضة لمتابعة أخبار الفريق. بدا لي كأن الزمن توقف قبيل لحظة مغادرتي. الفريق مهدد بالهبوط مجددًا، ويبحث هذه المرة أيضًا عمن ينقذه. ما زال أمامهم نصف عدد المباريات تقريبًا. حوالي عشر مباريات، ولكن الوضع متأزم. قرأت تُصريحًا للحاج المراسي رئيس النادي يقول فيه إنه يعد بفريق جديد قبل عودة المباريات مجددًا، ويبحث عن مدرب من أبناء النادي يمكنه الاعتماد عليه.
بعد حوالي عامين من تركي لكرة القدم وتعييني في المجلس المحلي. عدتُ من العمل وتناولتُ الطعام مع أمي، وأخبرتها أنني سأدخل غرفتي لأنام. لم يكن النوم يأتيني بسبب الإرهاق كما في السابق، وإنما بسبب الملل. كنتُ أدخل الغرفة وأحاول النوم لأني ببساطة لا أجد شيئًا آخر يمكنني فعله فيما تبقى من الوقت. وبينما أنا أضع رأسي على المخدة وأتقلب يمينًا ويسارًا، سمعتُ جرس التليفون، ردت أمي كالعادة فمن البديهي أن يكون المتصل باحثًا عنها. لا يتصل بي أحد سوى نادرًا. سمعتها تخاطب المتحدث على الجهة الأخرى بكلمات مبهمة.
-لا مش وقته الكلام ده..
-أصل مش هقدر أفاتحه في الموضوع ده..
حاولتُ عدم الإنصات والنوم لكن تلك الكلمات ظلت تتردد في أذنيًّ في لحظات الملل المرتبطة بالعمل في الأيام التالية. تكرر الموقف نفسه بعدها بأيام، عدت وجلسنا للغداء، ثم نهضتُ للنوم. وعندما رن جرس التليفون هذه المرة رفعتُ سماعة غرفتي لأسمع ما يدور، كان المتحدث على الجهة الأخرى رجلًا لم يبد لي صوته غريبًا. سألها:
-فاتحتيه في الموضوع ولا لسه؟
-قولتلك أصبر
-ما احنا بقالنا كتير يا بنت الناس
-أنت عايزني أقول لابني إني هتجوز ازاي؟!
-زي الناس هو احنا بنعمل حاجة غلط!
-لا..بس زي ما قولتلك أنا عايزه أطمن عليه وأجوزه الأول وبعدين نشوف حالنا.
صعقتُ مما سمعت. غضبتُ بشدة، ربما شعرتُ بالغيرة، وربما شعرت بالغضب لأن كل من حولي يرى مصلحته ما عداي. ظللتُ لأيام استمع لتلك المكالمات وأجمع الخيوط. أيام يتغازلان، وأيام يتعاركان لنفس السبب. وفي كل مرة يصلان للنتيجة نفسها. لكنني كنتُ قد عرفتُ صاحب الصوت. كان عبد الجواد، أو عمي عبد الجواد كما اعتاد تعريف نفسه. كنتُ اسأل نفسي في بداية ظهوره “طب ومصلحته إيه إنه يشوفلي شغل؟!” وكانت أمي تقنعني أنه يفعل الخير لأنه يعرف أننا نعيش وحدنا دون رجل. تلك الإهانة التي طالما ابتلعتها لأنها تعني ضمنيًا أنني لم أكن رجلًا. سألتُ عنه في تلك الأيام وعلمتُ أنه متزوج ولديه ثلاث بنات. هل لم يكن سعيدًا في حياته بما يكفي لإفساد حياتي؟!
ظللتُ أدور في فلك ذلك الرجل طويلًا. أسأل عنه هنا وأتتبعه هناك. أعرف أن لديه أرضًا في تلك الناحية، ثم أعرف أن أرضه تلك لم تكن كبيرة ولكنها اتسعت بعد زواجه لأنه ضم أرض زوجته لأرضه. أعرف أن بناته كلهن يعشن بعيدًا عنه عدا واحدة فقط هي من لا تزال تزوره. ظللتُ أدور في فلكه حتى دخل عليَّ يومًا البيت، وهو يقول: “شد حيلك” كانت أمي قد ماتت، ومات معها سرها الذي لم يكشفه الرجل. وحدي لم تكن لدي البصيرة، وبينما أبكي عليها ندمتُ ندم عمري على رفعي لسماعة التليفون في ذلك اليوم.
في اليوم التالي قبل أن يسألني أمين المراسي عن رأيي قلتُ له:
-أنا معاك.
ابتسم وقال:
-كنت متأكد
-بلاش نتكلم هنا.
أخذته وذهبتُ للمقهى نفسه ودعوته على كازوزة وأنا أستمع إليه يشرح لي ما يحتاجه. لم أتساءل هذه المرة عن تفسيرات تخص اختياري أنا تحديدًا رغم ابتعادي عن الملاعب بإرادتي لفترة أجبرت الجميع على نسياني. قررتُ الاستسلام للقدر مجددًا عساه يأتِ بما قد يعوضني.

