ضيفنا الكريم الموت
(قصة مسرحية تُنشر على خمسة أجزاء، 1/5)
كان الوقت هو فقط ما يفصلهم عن قدومه.
ثم طرقة أو اثنتين على الباب ويصير بينهم.
لم يفكروا في الأمر رغم أنهم كانوا على علم بأن دورهم حان، وأنه موعدهم الذي لن يتأجل. لكنهم عاشوا في كنف أمل كاذب بأن الأحوال ستتغير، وسيتدخل القدر ويحول بينه وبينهم، فلم يحتاجوا للتفكير في قرار مصيري كهذا.
وعندما أدركوا تعلقهم بآمال واهية. وعرفوا أن الواقع سيأتي مغايرًا لأحلامهم لأن الوقت أزف، ولم يتبق لهم الكثير ليحسموا قرارهم، والوقت المتبقي بالتأكيد لن يكفي لاتخاذ قرار كهذا لن تعود الحياة بعده كما كانت قبله.
عقارب الساعة تواصل تكتكاتها في ترقب لطرقة أو اثنتيان على الباب ستُضفيان نغمة مغايرة لمرور الوقت.
***
وفي موعده المحدد وقف أمام الباب الخارجي لبيت العائلة الواسع، وكانوا جميعًا في استقباله من الجد، أكبرهم، وابنيه الاثنين، نصر ورمزي، وسيدتا البيت جميلة زوجة نصر، ونور الابنة الوحيدة للجد، وحتى الأطفال الصغار، سيف وسعيد ابنا نور، وفرح وريم ابنتي نصر وجميلة، حضروا هذا الاستقبال عنوة. وقال سيف أصغر الصبية:
-أهلًا بك، هل أنت الموت؟ّ لم أعتقد أن شكلك هكذا!
ابتسم الضيف، ثم انحنى وربت على رأسه وقال:
-لأنني لستُ الموت، إنهم يبالغون، أنا فقط مندوب عنه.
كاد يسأله الصبي عن معنى كلمة مندوب، لكن الجد نادى ابنه الأكبر نصر في هذه اللحظة وطالبه بحمل حقيبة الضيف واقتياده للغرفة الفارغة بالبيت التي سيقيم فيها.
قال له نصر:
-أهلًا وسهلًا، تفضل، تفضل من هنا.
وقطعا الساحة الداخلية الصغيرة للبيت، وصعدا سلمًا قصيرًا حتى وصلا للشقة المخصصة للضيوف، أدار المفتاح ووضع الحقيبة بالداخل، وأضاء الصالة الداخلية للشقة، وقال مخاطبًا مندوب الموت:
-تفضل، خذ راحتك واعتبر نفسك في بيتك.
قال مندوب الموت بتجهم خجول:
-شكرًا.
-ساعتان أو ثلاث وسنرسل واحدًا من الأطفال ليطرق بابك ويناديك بعد أن ترتاح، أعددنا اليوم وليمة صغيرة على شرفك.
-لا داعي لكل ذلك أبدًا صدقوني.
-لا تقل ذلك، أنت ضيفنا في نهاية الأمر.
خرج من الشقة وتركه بداخلها ليرتاح، وفي الوقت نفسه كانت زوجته جميلة تُعاون نور في إعداد الطعام، وقالت لها:
-اخرجنا الديك الرومي من الفرن منذ ساعة، ودقائق وتكون صينية المعكرونة بالبشاميل جاهزة، هل هنالك شيء آخر نسيته؟!
قالت نور المنهمكة في تجهيز الأطباق الفارغة قبل وضعها على الطاولة:
-كلا، لا أظننا نسينا شيئًا، اذهبي وتأكدي فقط من أن أطباق الحلوى الموجودة في الثلاجة ستكفينا...
-أظنها ستكفي وتفيض، لكني لا أفهم لمَ الإصرار على الحلوى في مناسبة سيئة كهذه؟! ألا توافقيني أننا نبالغ؟!
-المبالغة في الضيافة كرم. أنت محقة في كونها مناسبة لا تستحق كل ذلك، لقد أخبرتُ أبي بذلك عندما أمرني بإعداد هذه الأصناف للمائدة، ولمّا عقبتُ علي ذلك زجرني قائلًا إنني لا أفهم شيئًا في الدنيا.
ضحكت جميلة وقالت:
-المهم أن نمكث فيها حتى نفهمها!
-بيني وبينكِ، أظن تلك المائدة العامرة هي خطة أبي لاستمالة قلبه وإقناعه بأن يرأف بنا.
-من لا يتمنى؟! لكني أخشى أن تُسيطر عليّ هذه الفكرة حتى يدفعني العشم الناتج عنها للجنون. إنه أمر مقرر منذ سنوات كثيرة لا أذكر عددها بالتحديد، ودورنا حان، توقف الدور الآن قبل تطبيق القرار علينا يستحق مائدة يوضع عليها خروفًا لا مجرد ديكٍ رومي، لكني لا زلتُ لا أظن ذلك. ولا أستطيع تمني أمنية مُحطمة للقلب كتلك.. كل ما أتمناه ألا يكون أيًا من ابنتيّ هي من يقع عليه الاختيار.
كادت نور تخرج كلمات مصاحبة للنظرة الغريبة التي شيعتها بها، لكنها لسبب ما صدتها عن الخروج.
بدأوا في تناول الطعام بعد جلوس الجميع على المائدة. وقال المندوب لنور محاولًا خلق حديث ودي:
-طعامكِ لا يمكن تذوق مثله كثيرًا.
-بالهناء والشفاء، شاركتني في إعداده جميلة، زوجة أخي.
هزت زوجة الأخ رأسها، ووجه إليها المندوب نظرة امتنان لا تنم عن شيء زائد. ثم عاد لنور وقال بعد ملاحظته لآثار الحرق في يدها:
-سلامتك، ما ليدكِ؟
نظرت ليدها وكأنها تذكرت، وقالت:
-لا عليك منه، إنه حرق قديم..
هز رأسه وقال:
-كان الله في عونك، الكل يأكل الطعام ويعرف مدى جودته، ولا أحد يدري بما تُقاسينه وحدكِ أمام نار المطبخ.
قالت بلهجة مازحة:
-أحيانًا من كثرة الاقتراب من النار، أنسى أنها قد تؤذيني.
ابتسموا جميعًا، وقال الجد محاولًا تغيير الموضوع:
-إننا سعداء جدًا بمشاركتك إيانا للطعام اليوم.
-تلك مجاملة لطيفة منك يا سيدي، لكني لا أظن أنها في محلها.
-لمَ تقول ذلك؟! لا داعي له.. صدقني لا داعٍ لذلك.. أنا أعرف أنه عملك وهذا جزء منه، لا حرج عليك.. نحن قوم مؤمنون، ونعلم جيدًا بأنه إذا لم تكن أنت القائم على هذه المهمة، فسيضطلع بها غيرك.
وقال نصر:
-هذا صحيح.. حمدًا لله أننا لم نقع في يد من هو أشد قسوة!
وقال المندوب:
-إنها مسألة لا علاقة لها بالقسوة أو الرحمة، ولكني سعيدٌ بتفهمكم لكل هذه الحقائق، إنكم حقًا أناسٌ متحضرون.
قال الجد:
-نشكرك، لكننا نود القول إننا في الحقيقة لم نحدد من سيقع عليه الاختيار بعد.
قال المندوب وهو ينظر في طبق الطعام الموضوع أمامه:
-لا بأس، لا بأس عندي بذلك (لاكَ الطعام في فمه) من النادر أن تجد أسرة قد أنهت الاختيار قبل وصول المندوب، إلا إذا..
قال رمزي الابن الأصغر:
-إذا ماذا؟
فقال المندوب:
-إذا كان هنالك فرد على خلاف معهم جميعًا، فإن الاختيار يصير مسألة محسومة.
فقال سعيد، الابن الأكبر لنور:
-لكنهم بذلك قد يظلمونه، أعني قد يكون محقًا في خلافه معهم وكلهم سيئين..
فقالت فرح الابنة الكبرى لنصر:
-لا بأسَ بذلكَ أيضًا، ففي تلك الحالة يكون محظوظًا باختياره للموت. على الأقل سيتخلص منهم للأبد!
ضحك الأطفال الصغار، ووجه لهم الجد نظرة تؤنبهم على إخلالهم بما أمرهم به بخصوص عدم الكلام خلال حديث الكبار في أمر جاد، لكن سيف، الابن الأصغر لنور، تجاهل ذلك مرة أخرى وسأل المندوب:
-ألابدَ لتلك المسألة من الحدوث؟
سكتوا جميعًا وشعر سيف أن سؤاله غير ملائم للحد الذي جعلهم يتركون ما في أياديهم من طعام ويوجهون له نظرات اللوم، فحاول رمزي تدارك الموقف:
-إنه لا يقصد الاعتراض على العملية أو ما شابه.. لكنه سؤال وجيه إذا سمحت لي، أتفهم جدية مسألة اختيار فرد من كل عائلة للموت، وأُقدر أيضًا الجهود المبذولة حتى لا يُوجه الاختيار بحيث يتجنب عائلات بعينها، كما كان يحدث في الماضي، فتنحصر الضحية على عائلات معينة فقط. مسألة الدور تلك عادلة ومنظمة للغاية. كل عائلة تعرف العام والشهر الذي عليها أن تضحي فيه بفرد منها لاستمرار البشرية، دون ترك مساحة لتسلل الظلم أو المفاجآت غير المرتقبة، لكن ألا يوجد أي استثناءات من أي نوع؟!
لم يجب المندوب على هذا السؤال المستفيض سوى بهز الرأس بالنفي مع تعبير عن الأسف، وكانت إجابته تلك شافية تمامًا، بديهية، ومعروفة للجميع منذ بدأ البشر تطبيق فكرة اختيار مفدي للموت من كل عائلة كإجراء تنظيمي، حتى لا تتسبب الكثافات السكانية في الإخلال بالموارد مما يهدد بفناء البشر.
أضاف نصر لاستفسار أخيه:
-حتى دون الاستناد إلى أعذار بحكم السن أو المرض أو ما شابه؟!
قوبل تساؤله بنفس الرد من قِبل المندوب.
لكن رمزي أتبع سؤاله بتعقيب آخر:
-لكننا ظننا أن ذلك سيتوقف في يوم من الأيام.. أتفهم أن على كل عائلة أن تختار فردًا منها ليموت عندما يأتي عليها الدور، لا أعترض على ذلك، كما لا أعترض على موعد دورنا، بل أثق في القرعة، إنني فقط أتساءل لمَ لا ينتهي كل ذلك تمامًا؟!
قرر المندوب الإجابة على السؤال هذه المرة:
-لا أعرف حقًا، إنها ضريبة السلام الذي نعيش فيه منذ أجيال، ضريبة تلاحق أجيال خلف سابقتها دون تقليص بعض الأرواح عن طريق حروب دموية، أو حدوث ثغرة علمية تسمح بتسلل بعض الأوبئة المميتة.
أضاف نصر مؤيدًا كلماته:
-صحيح، حتى الطواغيت والديكتاتوريات، وما إلى ذلك من أشياء، باتت جزءًا من التاريخ ولم تعد موجودة على الإطلاق.
هز المندوب رأسه وتابع:
-لذلك علينا كبشر متحضرين اختيار من يموت بأنفسنا، علينا تنظيم عملية الموت لنتجنب مسألة قلة الموارد التي قد تؤدي في يوم من الأيام إلى انقراض الإنسان. لن نسمح لجيل من الأجيال القادمة أن يُعاني ويُظلم بسبب خطأ نرتكبه، كما سمحت الأجيال القديمة بذلك، كما لن نحرم إنسان هذا العصر من التمتع بكافة حقوقه من الأكل والعلاج والإنجاب، لن نحرمه أيًا منها. هنالك حقبة في التاريخ حُرم خلالها بعض البشر من الإنجاب سواء قسرًا أو عن طريق التوعية الزائدة بأخطار جلب أطفال إلى العالم. والنتيجة، حرم بعض البشر أنفسهم من هذه المتعة في مقابل تمتُع الكثير من الأغبياء بها دون رقيب أو حسيب.
قالت جميلة:
-عصور ظلام!
وقال الجد:
-إننا نعيش الآن في زحام من النعم، نعيشُ في جنة. لا بأس بدفع ضريبة على تلك النعم العظيمة تذكرنا على الأقل أننا لا نزال على الأرض!
هز المندوب رأسه وقال:
-تلك أفكار الإنسان المتحضر.
ثم فرك يديه بالمنديل الورقي الموجود فوق الطاولة، وأضاف:
-عمومًا لا داعي للاستعجال، أمامكم شهر بطوله لاختيار من منكم سيُفدي الآخرين.
قالت ريم:
-شهر! إنها مدة طويلة!
وقال سعيد:
-وماذا إن لم نحسم اختيارنا خلاله؟
قال المندوب:
-لا مشكلة، لكننا سنضطر لإجراء قرعة. يمكنكم اختيار القرعة من البداية، لكننا نُفضل أن يكون الاختيار بإرادتكم حتى لا تظلم القرعة أيًا منكم. ولأن كل عائلة أدرى بظروف أفرادها ولها الحق في تحديد الطريقة التي تفدي بها البشرية.


اخيراً مروان قمت بكتابه مقال كنت انتظرك من مده ليست بطويله على امل ان تكتب شيئا خفيفاً اقرأه وانا مستمتعه كحال كتاباتك السابقه ولكن هذه المره تفأجات بحديثك عن الموت رغم تهربي من هذا الموضوع لانني لا احب الابحار فيه إلا ان وجود شخصيه تحمل اسمي أجبرتني على الإكمال بعيداً عن مدى اهتمامي بكتاباتك أتمنى أن تظل كتاباتك تنبض بالحياة، وأن يبقى اسم نور بعيدًا عن ظل الموت