المنافسة على الهبوط (4)
لا أتحكم في نفسي بشكل كامل، لكني رغم ذلك أتصرف بشكل صحيح
بتُ أكره المباريات الخارجية، لأنها كانت تضطرني لبذل الكثير من الجهد للحصول على إذن من العمل مبكرًا والسفر للحاق بالمباراة. فكرتُ في عدم الذهاب إلى المباراة. وعزز تلك الفكرة أنني زرتُ علاء بعد المباراة السابقة. صار متعايشًا مع الرباط الصليبي، يمكنه الحياة به، عندما سألته عن ذلك، قال إن ذلك هو الطبيعي، لكنه رغم ذلك يحتاج إلى إجراء الجراحة حتى لا يتفاقم الأمر، وحتى تعود ركبته إلى طبيعتها. اخترتُ في هذه المرة أن أتحدث باسمه، صعدتُ إلى مكتب رئيس النادي وطلبتُ مقابلته، وافق على الفور ورحب بي، حدثته عن حالة علاء، فقال:
-أنا سمعت إنك ناوي تبطل كورة خلاص..مش هقولك فكر تاني بس أنت أحسن واحد شوفته بيلعب من ساعة ما جيت هنا..
-شكرًا..بس الحقيقة مش ده اللي أنا جاي لحضرتك عشانه.
أعدته مجددًا لمسألة إصابة علاء. كان هو الآخر أفضل من رأته عيني يلعب. الناس لا تنسى، بل تجحد للأسف. فهمت من بين السطور أنه يظن المال الذي سيُنفق في العملية التي يحتاجها، بالإضافة إلى فترة الراحة الكبيرة، سيؤديان إلى عودته في وقت متأخر، ومع تقدمه في السن، سيصيرُ من الصعب الاستفادة منه مجددًا.
-بص أنا عارف إن الموضوع حساس. بس أنت كمان أكيد فاهم إن مفيش فلوس دلوقتي..وكمان احنا بقينا بنخسر من طوب الأرض، ولو نزلنا درجة كمان، الدعم بتاعنا هيقل من الوزارة ومن الرعاة.
-طب وإذا قعدنا..
-نقعد بس وساعتها فيه كلام تاني.
-مفيش ساعتها، نقعد، وقصاد ده علاء يعمل العملية.
-شد حيلك معانا.
اعتبرته اتفاقًا. لكني رغم ذلك شعرتُ كخيل الحكومة تمامًا بعد خروجها من الخدمة، وقبل إطلاق الرصاص عليها مباشرة.
العمل في المجلس المحلي لم يتغير منذ بدأته. الناس هي هي يوميًا بشكل غريب. تجلس على كرسيك وتشرب الشاي، فتجد الشخص نفسه يدخل من الباب، يقول صباح الخير، ويناولك الورقة نفسها، نفس ورقة الأمس. فيما بعد فهمتُ أن أولئك يعملون بهذه المهنة المتعلقة بـ”تخليص الورق” مقابل قروش. تعليقات الأستاذ صيام على أخبار الجرائد لا تتغير تقريبًا. في كل يوم، يقرأ الأخبار نفسها حول مباحثات الرئيس مبارك مع الرئيس الأمريكي بخصوص حرب الخليج، وبعض التصريحات عن الزيادة السكانية. يوميًا يقرأ نسبة المواليد. ويوميًا يتفاجئ أن كل عدد من الثواني لا أذكره يولد مولود جديد. يغلق الجريدة ويهز رأسه هاشًا الذباب من حوله، يأخذ استراحة يفتح فيها الدفاتر الخاصة بالعمل. ثم يعود مجددًا قبل الظهر لفتح الجريدة ولعب الكلمات المتقاطعة، يسأل من حوله يمينًا ويسارًا عن بطل فيلم غرام وانتقام معكوس أو عكس كلمة فيضان. ولم يسبق له أن حلها كاملة في أي مرة.
أنتهي من العمل في حدود الساعة الثانية والنصف تقريبًا، أعود للبيت لآكل. ثم أرتدي ملابس التدريب الذي يبدأ في الرابعة. خلال الأيام السابقة اعتدتُ التأخر عن التدريب والتحجج بالانشغال بسبب العمل. هذه الأيام أجدني أول الواصلين إلى التدريب. لا جديد أيضًا يحدث في التدريب. الوجوه نفسها، المزاح نفسه، نفس اللاعبون ينتحون جانبًا قبل بدء التدريب للتدخين في الخفاء، والمدرب يُصفر في نفس الأوقات تقريبًا. يشرح نفس الأخطاء. يعنف نفس اللاعبين. ينهي التدريب قائلًا:
-كويسين النهارده بس عايزين أحسن..لازم نشد حيلنا.
يصفق الجميع من حوله، وانتهى الأمر. كنتُ أظن تلك الأيام ستبدو مختلفة. نحن في آخر مباراتين ونحتاج للفوز بواحدة، رغم ذلك فلا جديد. هذا الفريق هبط معنويًا قبل إعلان هبوطه الرسمي.
في يوم المباراة كنتُ أتابع العمل بالوتيرة المملة نفسها حتى مر الأستاذ عرفه بمكتبي وقال:
-أنت ايه اللي جابك هنا؟! أنا قولت زمانك مش جاي النهارده..
رفعتُ رأسي ومكثت لبعض الوقت لأترجم سبب عدم مجيئي اليوم. لكنه تحدث عن أهمية المباراة وما يجب أن تمثله لي. قال لي إنه سيستأذن مبكرًا ليسافر لحضور المباراة.
-روح هات لبسك واستناني في المحطة.
وبالفعل نفذتُ ما قاله، وركبنا معًا القطار إلى طنطا. ثم غيرنا القطار في طنطا فركبنا القطار المتجه إلى الشرقية. بدا الطريق طويلًا، وظل خلاله يحدثني عن رحلاته السابقة لحضور المباريات. بعضها مباريات حضرتها، بعضها لعبتُ خلالها. ذكرني كم كنتُ ألعب جيدًا في تلك الأيام. وعندما وصلنا إلى الملعب، صعد هو إلى المدرجات بينما دخلتُ غرفة الملابس، وأنا أفكر أنني ربما لن أتمكن من إظهار وجهي أمامه مجددًا في حالة الخسارة. أتذكر أنني لم أسمع أي شيء قاله المدرب قبل المباراة، لم أركز في مزاح اللاعبين، أو جدية بعضهم الزائدة عن المألوف. لم أسمع الأصوات القادمة من المدرجات، والتي كانت معظمها لجمهور الخصم. كنتُ في حالة أشبه بالحُلم، لستُ هادئًا، أو متوترًا أو سعيدًا. أشعر أنني لا أتحكم في نفسي بشكل كامل. لكني رغم ذلك أتصرف بشكل صحيح. لم تصلني الكرة كثيرًا. اللعب ميت، والخصم يتحكم في اللعب بقتله، بإبعاد الكرة عن أقدام زملائي الذين يساعدونهم بالتصرف بتسرع عند امتلاك الكرة. يملك الخصم الكرة، ينقلونها بملل بين أقدامهم، من اليمين إلى الوسط إلى اليسار، فالعكس. نحاول قطع الكرة، محاولة فاشلة، فأخرى، فرمية تماس لصالحنا، نلعبها، يستلم لاعبنا الكرة بسرعة ويحاول تمريرها للأمام وكأنه لا يصدق أننا نلعب في اتجاه المرمى الآخر، سرعان ما تعود للخصم بسبب خطأ في التمرير بين لاعبينا في الأمام. لكنني أنا، لا أتذكر أنني أخرجتُ الكرة من قدمي بشكل خاطئ.
انتهى الشوط الأول وبدأنا الشوط الثاني بالوتيرة نفسها، ولكن بقلوب أكثر توترًا. مرر لاعب الخصم الكرة للخلف لزميل تخيل أنه يقف في مكانه، حين لم يكن كذلك. حينها كنتُ أنا لسبب ما، أقف في ذلك المكان. امتلكتُ الوقت لاستلام الكرة. جمهور الخصم يصيح بغضب، والكل حولي يصرخ، خاصة زملائي الذين يطلبون مني سرعة التمرير. لم أنصت لكل ذلك، كنتُ أسمعه كصدى صوتٍ من حولي، ركضتُ نحو المرمى. قابلني لاعب واحد من لاعبي الخصم، مررته من جانبه مستغلًا سرعتي، ورأيتُ المرمى أمامي صغيرًا والحارس الذي يخرج منه لمواجهته يبدو كالعملاق، لكني رغم ذلك شعرتُ أن الكرة لن تشتري عداوتي في تلك اللحظة. وضعتُ قدمي في الكرة، تمامًا كالمرات الأولى التي اعتدتُ فيها اللعب في الطفولة، وعانقت الشبكة، تمامًا كتلك المرات التي أصرت فيها على أن تؤكد للجميع أن لدي مستقبلًا مبهرًا معها.
لا أتذكر بقية المباراة. لم تختلف بدايتها عن نهايتها، سوى بالهدف الذي سجلته. فزنا وضمنا البقاء في المسابقة. احتفى اللاعبون بي وأصروا على حملي على الأعناق. تجمع الجمهور عند النادي واحتفلوا بحملي حتى بيتي، أخبرتني إدارة النادي أنها تجهز للاحتفال يوم المباراة الأخيرة على أرضنا. لكني منذ اليوم التالي، لم أذهب للنادي مجددًا. ولم ألعب المباراة الأخيرة. اكتفيتُ بما تحقق، وانتهت علاقتي بكرة القدم.

