ضيفنا الكريم الموت
(قصة مسرحية من خمسة أجزاء، 5/5)
تعّود المندوب مثل تلك المشاهد رغم صعوبتها. إنه يراها طوال الوقت خلال ممارسة عمله المحفوف بالقرارات الصعبة التي تنهي حيوات البعض، وتضع حيوات الباقين على المحك. لكنه أخفى ابتسامة اقتراب انتهاء مهمته على أكمل وجه ونيله للمكافأة المخصصة لإجادته لعمله، لتسليمه المُفدي للجهات المختصة بنفسه. بدلًا من هروبه وملاحقته من قِبل الشرطة، الذي يحدث بشكل مُطرد.
رمزي ينظر حوله غير فاهم لما اعتراه. يُدرك أن الأمور تسير إلى نهاية سعيدة للجميع، باستثنائه. لا يستوعب حقيقة أن نصف الأصوات ضده، لم يتخيل ذلك، تخيل فقط صوتًا إضافيًا لا أكثر، أنه في أسوأ الظروف سيُختار بثلاثة أصوات لا أربعة. لكن حتى أسوأ السيناريوهات في رأسه تجد ما هو أسوأ منها دائمًا.
-إنه تصويتٌ باطل، لا يصح الأخذ به. لقد ظلت الأوراق هنا لفترة طويلة. ولا زلتُ أشكك في تغييرها وأدعو لتصويت جديد كما قررنا من قبل.
قال الجد:
-وهو كذلك، التصويت غدًا في نفس الموعد، لتحضر العائلة كلها، ولتحضر أيضًا.
أشار إلى المندوب في عبارته الأخيرة، والذي هز رأسه واستوعب أن مهمته ستنتهي في الغد ويستطيع إنهاء تقريره الملئ بالتفاصيل باسم الشخص الذي سيفتدي العائلة بموته.
نهض رمزي من نومه مبكرًا في اليوم التالي، وقرر عندما لم تنجح ثنائية القهوة والسجائر في فك حصار التوتر عنه، أن يذهب إلى البار ويجلس هناك لعله يلتقيها، ليقضي وقته إلى أن يحين التصويت الذي سيكون أكثر من يتردد فيه صدى اسمه. قد تقل الأصوات ضده بواحدٍ على الأكثر، لكنه في النهاية سيكون قربانًا للموت.
دخل إلى البار في تلك الساعة المبكرة، وجده فارغًا كما تخيل، والعمال لا يزالون يقومون بأعمال النظافة من الليلة الماضية، أي أنه لو جاء قبل ذلك بوقت بسيط لوجد أبوابه مغلقة.
بدأ يعب من زجاجة ويسكي طلبها، ويضع حبات الترمس في فمه بين اللحظة والأخرى وهو يتطلع إلى العمال الذين يؤدون عملهم اليومي، وإلى وجوههم التي تكلس عليها الملل منذ زمن طويل فباتوا لا يشتكون من الأعمال التي يضطلعون بها. تذكر في تلك اللحظة حكمة سمعها من عامل زامله في الخارج: "الشكوى المثالية من العمل الصعب تكمن في إنهائه."، تخيل سماعها من أحدهم الآن، وتخيل تخلصه من عمله الصعب في الخارج، ثم السقوط في هوة اختيار صعب ومصيري. قال لنفسه "إن الشكوى المثالية تكمن في إنهاء كل ذلك، في القدرة على إنهائه والرضوخ له، لأنه لا يوجد خيار آخر. عاشت البشرية آلاف الأعوام ولم يشغل أحدهم باله يومًا بمسألة عدد الأبناء، كان خوفهم من الأمراض والأوبئة التي قد تختطف عددًا من الأبناء، الحروب التي تقوم على أسباب تافهة، وبعدما انتهى كل ذلك، وأصر البشر على عدم تحديد النسل، وصادفتُ الحب لأول مرة، وقع عليّ الاختيار، لأفتدي البشرية..
أي أن موتي لن يندم عليه أحد، سواي!"
أعاده صوت سحب الكرسي المجاور له من شرود ذهنه، قال لها:
-أهلًا
حيته بيدها وقالت بصوت يشوبه القلق:
-أهلًا..
وتابعت:
-هل أنت بخير؟
هز رأسه أنه بخير، فقالت:
-كلمتك وأنا واقفة ولم تنتبه، لا تبدو بخير إطلاقًا..
قاطعها قائلًا:
-سأموت ربما خلال ساعات من الآن!
قالت في وجل:
-ماذا؟ حُسم الأمر؟!
قال:
-ليس ذلك موضوعنا الآن، وإنما أردت سؤالك..
صمتت برهة، وبدت أمارات الفضول على وجهها:
-تتزوجينني؟
أبدت اندهاشها وقالت:
-أود ذلك، لكن كيف؟
-نتزوج ونظل معًا لما تبقى لي من ساعات..
رفعت الكأس الذي صبته من زجاجته وشربته وهو ينظر إليها ويفكر ماذا يمكنهما أن يفعلا خلال الساعات المتبقية له في الحياة. سيُمضي معها وقته كله، ربما عاريان، سيمارسان الجنس كثيرًا بالتأكيد، وسيأكلان معًا كل الطعام الذي حرمته الوحدة وانسداد النِفس إياه. لن يسمح لنفسه أن تمر دقيقة وهي ليست إلى جواره. لن يدخل الحمام من دونها، سيستحمان معًا بلا شك.
قاطعته بعد أن شربت كأسها وقالت:
-لا مشكلة لدي، وسآتي معك الآن لو تحب، سنتزوج، ولكن..
-لكن ماذا؟! ماذا يتبقى إذن؟!
نظرت حولها وقالت في أسف بالغ:
-جاءتني البارحة..
تطلع إليها في شبه فهم، فأضافت كي تتعجل تسوية الأمور حيث لم يعد هنالك وقت:
-الدورة الشهرية.
لم يدر ما عليه قوله، لكنها كانت الحركة الأخيرة للقدر على رقعة الشطرنج ليُسلم روحه ويستسلم. مات كل جنوده منذ أزمان بعيدة، وهو يرتجف باحثًا عن قطعة أخرى يفتدي بها ملكه المحاصر، ليس ليفوز، وإنما ليعيش وقتًا أطول بعض الشيء، وقتًا يسمح له بتقبل فكرة الموت في معركة وجد نفسه فيها، ثم اكتشف، رغم مكابدته للفوز الذي لا يأتيه بسبب انعدام مهاراته، أنها لا داعي لها.
ينهض فيضمها إليه بحرارة تليق بالموقف، ثم يودعها قائلًا:
-أتمنى أن تتلاقى روحانا مجددًا..
-سأكون أسعد حالًا منك بالتأكيد.
تُدير وجهها إلى الجهة الأخرى حتى لا تُطيل النظر في وجهه فتتورط في البكاء.
يقول لها بتأثر:
-هل يُمكنني أن أسألكِ سؤالًا غريبًا؟
تبتلع ريقها بصعوبة وتقول:
-بالتأكيد..
-أعرف أنك ستعتبرين ذلك غريبًا الآن، لكن لا بأس، كل شيء في هذه الحياة غريب..
ثم تذكر ضيق الوقت فقرر ابتلاع كلماته ليختصر مقدمته الطويلة.
-هل بإمكانكِ إعطائي اسمك،فقط كي أبحث عنك مجددًا في حياة أخرى؟!
تأثرت بطلبه، رغم أنها لم تتخيل أنه لا يعرفه حتى الآن، ورغم مجالسته إياها لساعات وحكيهما المتواصل لم يذكره. ثم تذكرت أنها خلال تلك الساعات المتواصلة بينهما لم تتكلم، ونادرًا ما كان يسألها عن نفسها، بل إنه في معظمها كان هو المتكلم. باغتتها تلك الفكرة، لكنها عزّت نفسها بأن الوضع سيتغير في المرات القادمة.
-يُسر.
-اسم جميل، كان من الشرف لي معرفتك..
وكانت تلك عبارته الأخيرة قبل خروجه من البار، ومن حياتها، والعودة للبيت لانتظار مصيره. دخل إلى البيت وجلب ورقة بيضاء صغيرة وقلمًا، قرر إعطاء صوته من الآن وقبل أن تعلن الحياة تفوقها عليه، ويتدفق عليه سيل أفكاره الانهزامية القديمة، فيضطر إلى الرضوخ وتسليم نفسه للموت دون مقاومة تُذكر.
كتب على الورقة "أبي"، ثم تحتها "الجد"، ثم "كبير العائلة". طوى الورقة الصغيرة ووضعها أمامه ثم استسلم للنوم الذي لم يشعر بتسلله إليه كما لم يشعر من قبل بتسلل الموت إلى حياته.
رأى في المنام عُرسه، وهو ينتظر العروس في قاعة الزفاف. ينظر في ساعته لأنها تأخرت عليه. يصيبه تأخرها بالقلق، وفي تلك اللحظة تدخل عليه من الجهة الأخرى بابتسامة تُنسيه كل العتاب الذي يختزنه لها، وبمجرد إمساكه بيدها، يسمع صراخًا متواصلًا، يليه عويل، وتتساءل يُسر عما يحدث، فيرد صوت غير واضح المصدر: "إن طفلًا هرب، وهم بحاجة للبحث عنه!" يفيق في هذه اللحظة من المنام الغريب الذي لا يستطيع تصنيفه كحلم أم ككابوس؟! يلاحظ تساقط الدموع على خديه، يمد يده ليمسح دموعه، فيسمع صراخًا، ليكتشف أن الصراخ الذي سمعه لم يكن في الحلم. ومن ثم يسمع طرقًا شديدًا على بابه، تدخل نور أخته وهي تولول ثم تدخل بقية العائلة خلفها، ومن ورائهم مندوب الموت، يسألهم:
-ما الخطب؟ ماذا حدث؟!
لا تنقطع نور عن الصراخ غير المفهوم، وتقول جميلة:
-إن سيف هرب هذا الصباح..
-ماذا..كيف حدث ذلك؟!
يقول الجد محاولًا التشويش على أسئلته التي في غير محلها:
-اهدأي يا نور، ولنبحث عنه ربما نجده..
تقول نور من بين دموعها:
-لن يعود يا أبي، لن يعود أنا أعرف ذلك..حدثني كثيرًا عن الهروب وكنت أظنه مزاحًا، أخبرني عن حبه للأفلام التي تدور حول الهروب من السجون، تلك التي تبدو معقدة تمامًا، لكن النشوة التي تصيب البطل بعد هروبه لا تقاوم..
تواصل البكاء وتمسح جميلة دموعها بمنديل:
-قلت له كثيرًا إنها أفلام غبية عليه ألا يصدقها، وأن ذلك كان يحدث في الماضي، حينها كان الإنسان غبيًا.. لكنه تحداني وتحدى الجميع..
أخرجت ورقة مطوية من جيبها وفردتها:
-وترك هذه الرسالة ليقول فيها "هربت حتى لا يموت أحد، وسأثبت أن الإنسان القديم الغبي ليس أذكى مني ليتمكن من الهرب وأنا لا"
يُهدأها رمزي:
-اهدأي، أظنه يلهو وسيعود..
ويسأل نصر المندوب:
-هل هنالك أي حل آخر متاح يا سيدي؟!
-للأسف إن غدًا هو اليوم الأخير لاختيار المُفدي بينكم، وإن لم يعد بحلول الصباح فأنا مضطر لتسجيل اسمه لتبدأ الشرطة بالبحث عنه.
يقول نصر خافضًا رأسه وهو ينظر في اتجاه آخر:
-ألا يمكن أن أحل محله أنا فأفتديه وأفتدي البقية؟!
-للأسف لا، ينص القانون على البحث عن الهارب وتقديمه كفداء للبشرية حتى لا تتكرر هذه المسألة في كل العائلات.
ويخرج المندوب من البيت، فلا يتمكنون من ممارسة الضغط عليه، هو الذي اعتاد مشاهد البكاء والعويل حتى سئمها.
نظر رمزي إلى وجوههم المتجهمة، وكاد الجد يقول شيئًا ما لكنه استبقه، وأعطاه الورقة المطوية التي كتب فيها اسمه قبل النوم. وودَّ لو قال شيئًا ما، وباغتته الرغبة بعدم تضييع المزيد من الوقت معهم، فتركهم حائرين في الموقف الذي هم فيه. وخرج من البيت بعد أن اتضح كل شيء اكتسى بالغموض في حياته. باستثناء شيء واحد، صاحب الصوت الذي لا يعرفه؛ فالأربعة أوراق التي رشحته ليفتدي العائلة في التصويت الأول، ورقتان منهما يعرف أنهما لنصر وزوجته، وورقة لا يعرف صاحبها، أما الورقة الأخيرة فهي ورقته، دّون اسمه بنفسه، ثم تغير العالم لآخر حيث لم يعُد للتصويت قيمة.

