المنافسة على الهبوط (٩)
إنه مثل كل اللاعبين العباقرة العظماء داخل الملعب، والأوساخ خارجه. الفارق الوحيد أنه قد لا يصير عظيمًا أبدًا، ودوري ألا أجعله يدرك ذلك الآن.
حاولت أن ألتزم بدور الطرطور الذي قبلته منذ البداية لكن الأمر بدأ يصل إلى مراحل تفوق احتمالي!
كنا نلعب مباراة ضد شربين على أرضنا ونفوز بفارق هدفين. قرر أمين التدخل في المباراة بتغيير غريب بإخراج علاء من الملعب ودخول لاعب آخر. قابله علاء باعتراض واضح أمام جميع اللاعبين. كان التغيير الثاني من بين ثلاثة تغييرات. صرخ علاء من الملعب بين اللاعبين:
-أنت عايز تطلعني أنا؟! أحا ده الجونين مني!
ولم يخرج. حينها استغربتُ رد الفعل الذي اتخذه أمين تجاه الأمر. تصرف بهدوء بالغ. لم يتغير ملمح من ملامح وجهه. طلب من اللاعب الذي استعد لدخول الملعب أن ينتظر، وأخبر الحكم أنه سيُبدل لاعبًا آخر. ربما تلك ليست المرة الأولى التي أرى فيها مدربًا يتصرف بهذا الشكل تجاه لاعب يرفض التغيير، أو لاعب يعترض بهذا الشكل على تغييره من قِبل المدرب. لكنها المرة الأولى التي أرى فيها مدربًا يتصرف بهذا الهدوء القاتل تجاه الأمر، وكأنه غير معني به، أو لم يتعرض للخيانه. في لحظات كهذه لم أكن لأتحمل وضعًا كهذا أبدًا. حتى لو لم يكن الاعتراض موجهًا إلى شخصي أنا. شعرتُ بالاستفزاز الشديد..بأني أود تحطيم دكة البدلاء..أو صفع أمين على وجهه للصمت على هذه المهزلة.
لكني لم أحرك ساكنًا. لو تدخلتُ في الموقف وتوجهت لعلاء لتعنيفه بعد جلوسه على الدكة لصارت فضيحة، ولانتهت تلك الفضيحة بالتضحية بي أنا..المدرب الذي أخرج لاعبًا واشتبك معه، وتم الاستغناء عنه وتعيين المساعد لأنه تمكن من احتواء الموقف وفصل القوات. اضطررتُ أن أبدو طرطورًا بين عدة لاعبين، بدلًا من أن أكون كبش فداءٍ لمدينة بأكملها.
أنا من اكتشف علاء وجلبه إلى النادي، لكني أفهم هذا النوع جيدًا. لن يُضيع وقته بالإصغاء إليّ أو الوقوف بجانبي إذا واجهت مشكلة..وقد يكون أول من يخلق لي المشاكل. إنه يثق بمهارته ثقة تامة. لو سألته عندما كان يلعب في الشارع عن رأيه في نفسه، لقال إنه يرى نفسه أفضل اللاعبين في العالم. ولو سألته الآن لقال نفس الكلام..لا يرى أنه قد يستفيد شيئًا من الآخرين، بل الآخرين يحققون الاستفادة بمجرد وجوده بينهم. إنه مثل كل اللاعبين العباقرة العظماء داخل الملعب، والأوساخ خارجه. الفارق الوحيد أنه قد لا يصير عظيمًا أبدًا، ودوري ألا أجعله يدرك ذلك الآن.
عدنا للتدريبات بعد مباراة فزناها وست مباريات متبقية نحتاج فيها للفوز بأربعة آخرين دون النظر لنتائج الآخرين..أو على الأقل الفوز باثنتين أو ثلاث مباريات وانتظار الهدايا من تعثر المتنافسين معنا على الهبوط. الست مباريات منهم أربعة على ملعبنا..مما سيدفع جماهيرنا للاعتقاد بأننا سنفوز بتلك الأربع مباريات ونضمن البقاء دون مشاكل. لكن ولأني أحضر التدريبات يوميًا، أرى بعينيّ أن هذا الفريق لا يمكنه الفوز بمباراتين متتاليتين.
اللامبالاة التي يُصاب بها اللاعبون عند الهزيمة تأخذ شكلًا آخر عندما نفوز، تُصبح لامبالاة الفائزين، تلك التي تدفعك للشعور بأنك لا تُضاهى، وقادر بسهولة على الوصول لهدفك..ببساطة لأن هذه الحياة هي فيلم..أنت بطله، وتعرف جيدًا أن هذه الأحداث كلها وضعها القدر فقط من أجل خلق حبكة مُتقنة للحكاية..هزيمة..فهزيمة..فانتصار في النهاية.
هل هنالك فيلم لا يمر بهذه المنحنيات؟!
كل أفلام الرياضة وكرة القدم لا أحبها لأني أعرف أنها ستنتهي في النهاية بانتصار الفريق الذي يلعب له البطل. هل يحدث ذلك في الواقع؟!
أحيانًا. لكنه قد يحدث في الأهلي. يخسر بعض المباريات، يرحل مدربه، وتهاجمه جماهيره..لكنه في النهاية يُتقن لعب دوره، ويفوز. لم يكونوا على دراية بذلك. لكنني أنا؛ من قضى عمره القصير في الملاعب هنا، وأبرز لحظاته تتعلق بالمنافسة على الهبوط، أدرك أن تلك الطمأنينة مكانها غير سليم هنا.
كنا فائزين بالمباراة التالية على ملعبنا، حتى أدرك الخصم التعادل في الدقائق الأخيرة. وتلك النتيجة السلبية زادت معدلات الثقة بين الموجودين، بأن الفيلم يوشك على نهايته، وسيحدث غير المتوقع الذي يعرفه الجميع، وينتصر البطل.
سافرنا للمباراة التالية خارج أرضنا. لعبنا ضد الزرقا أخير الترتيب. لعبوا ضدنا بشراسة لأنهم في وضع مشابه لوضعنا. بذل لاعبوهم كل ما لديهم، وتقدموا علينا بهدف في الشوط الأول. قبيل نهاية المباراة بعشرين دقيقة رفع علاء عرضية ميتة لا يوجد من ينتظرها في منطقة الجزاء الخاصة بالزرقا، ارتطمت في لاعب من لاعبيهم واتجهت نحو المرمى، والحارس في الاتجاه الآخر يشاهدها وهو يدرك عدم قدرته على اللحاق بها. سجلنا التعادل.
ومع اندفاع لاعبيهم للأمام في الدقائق الأخيرة لأنهم لا يحتاجون سوى للفوز، إلى جانب الإحباط الذي أصابهم من الهدف الذي استقبلوه مجانًا، ونفاد طاقتهم نتيجة للجهد الذي بذلوه طوال المباراة التي تتجه لنهايتها، قطع لاعبونا الكرة وأمامهم مساحة خالية مُغرية للركض، فخرجت طاقتهم أخيرًا وسجلوا هدف الفوز. كرة القدم مثل الحياة، لا تُفرط عطاءها للمجتهدين، رغم أنه انطباع شائع.

