المنافسة على الهبوط (11)
لو علمتني الحياة التي عشتها شيئًا واحدًا فهو ألا أورد الحقائق المعروفة سلفًا لمن يحدق الخطر بهم
لعبنا المباراة التالية على أرضنا وخفف فوزنا بالمباراة السابقة من غضب الجماهير الذين ارتأوا مساندة الفريق بحكمة حتى النهاية بدلًا من تشكيل عائق إضافي في فريق عبارة عن قنابل موقوتة. هذه المباراة مرت ككابوس طويل..دخلنا إلى الملعب، نسمع تصفيق وتشجيع الجماهير خلال الإحماء الذي لا أذكر ما دار في غرفة الملابس بعده. سمعتُ صفارة الحكم، ثم موجات من صيحات الجماهير المتتابعة..صفارة أخرى..استراحة..ثم صفارة..موجات لا تنقطع من الصيحات والآهات..صفارة أخرى..وسمعتُ صوت اللاعبين وهم يقولون:
-مبروك عقبال الماتش الجاي!
كان كابوسًا طويلًا وانتهى. والمباراة القادمة خارج أرضنا. مرت ثلاثة أيام قبل المباراة وأنا لا أسمع سوى جملة مُكررة..لازم نكسب..متكسفوناش يوم الحد..السنة دي مش عايزين نفتكرها إنها سنة وحشة، وأنا في كل مرة أهز رأسي ولا أزيد عن ترديد “إن شاء الله”
هذه المباراة بالتحديد أتذكرها جيدًا. لعبنا أسوأ مباراة في الموسم تقريبًا. المباراة التي خسرناها بأربعة أهداف ظهرنا فيها بشكل أفضل. الكرة مع الخصم وسرعان ما يبادر أحد لاعبينا لقطعها، أو تبتعد عن لاعب الخصم بسبب قرار خاطئ، يلمسها لاعبنا، يرفع رأسه. ومع اللمسة الثانية ينسى أنه لاعب كرة قدم، فتخرج بشكل مُخزٍ من قدميه. لم نتمكن من إتمام أكثر من أربع تمريرات متتابعات.
بين الشوطين طلب أمين من اللاعبين أن يؤدوا وكأنها المباراة الأخيرة لهم، لأنها بالفعل قد تكون الأخيرة لمعظمهم في حالة الخسارة. كان ذلك صحيحًا لكن لا حاجة لقوله في تلك اللحظات. لو علمتني الحياة التي عشتها شيئًا واحدًا فهو ألا أورد الحقائق المعروفة سلفًا لمن يحدق الخطر بهم. معظم البشر لديهم التباس في ذلك. يجدون أنه من الواجب تحذير غير الآمن بأنه في خطر. ذلك صحيح بالفعل، لكنه صحيح في حالة واحدة فقط، لو لم يكن على علم بالخطر المُحدق به. في تلك الحالة يتوجب تنبيهه. وفي حالة علمه، يصير من الأفضل عدم الإتيان على ذكر الأمر. معظم الناس لم يفهموا ذلك، لأنهم لم يعيشوا ذلك النوع من الحياة، لأنهم ببساطة لم ينافسوا على الهبوط.
لو أخبرتني أمي في بداية العشرينيات أنها تتمنى شيئًا آخر غير الاطمئنان عليَّ قبل الموت، لربما أوصلني ذلك لنتيجة أفضل. كنتُ أعرف أنني ربما لا أصل لمستقبل عظيمٍ في كرة القدم..لكني كنتُ على يقين بأني سأفشل في تكوين حياة متوسطة، لن أتمكن من ممارسة الوظيفة دون التفكير عن كونها مملة، ولن أتمكن من الزواج والإنجاب في الوقت المناسب.
قلتُ للاعبين إنهم ليسوا مجبرين علي شيء. ليسوا حتى مجبرين على الفوز. لو خسروا سيعيشون حياتهم بشكل اعتيادي..سيلعنهم الناس لفترة من الوقت، لكنهم سينسونهم يومًا ما، منشغلين بمتابعة آخرين. لو فازوا أيضًا فستسير الحياة بشكل عادي، وسينساهم الناس يومًا ما..الأمر فقط يتعلق بهم..بمدى استمتاعهم باللعب وإدراكهم أن تلك اللحظات لن تتكرر أبدًا..حتى الصعبة منها. سينساها الجميع سواهم، وهنا تكمن أهميتها. أنهم لن ينسوها..وعليهم أن يحرصوا على عيشها بشكل جيد قدر المستطاع.
في الشوط الثاني بدونا أفضل بعض الشيء. كان المنافس يلعب دون دافع. وكأنه يحاول مساعدتنا ولكننا لا نستطيع مساعدة أنفسنا. أداء اللاعبين أفضل من الشوط الأول..يمررون كثيرًا بثقة..ويراوغون كلما أتيحت الفرصة للمراوغة. لكنهم لا يسددون نحو مرمى المنافس. طلبتُ منهم التسديد بعد إتمام عدد معين من التمريرات..ألا ينفذوا أكثر من ست تمريرات في منتصف ملعب المنافس دون تسديدة على المرمى حتى لو كانت سيئة. ارتطمت إحدى تلك التسديدات بيد لاعب للمنافس وحصلنا على ضربة جزاء سجلنا منها هدفًا. يتعين عليك أحيانًا منح الحظ الفرصة ليقف إلى جانبك..اختباره لتحدد إذا كان جيدًا أم سيئًا.
استمررنا باللعب بنفس الطريقة حتى صافرة الحكم. فزنا بالمباراة..نجونا..وصرتُ الرجل الذي أنقذ النادي مرتين في حياته. هكذا قد يتذكرني الناس..إن تذكروني..عزائي أنهم لن يلتفتوا لكوني رجلًا فشل في إنقاذ نفسه في معظم الأحيان.
الصدفة ربطت المباراتين اللتان أنقذت فيهما النادي بأن تكونا خارج الأرض..في المرة الأولى فضلتُ ألا أحضر المباراة الأخيرة على أرضنا لأني شعرتُ أن التقدير الذي ستمنحني إياه الجماهير أقل من أن يهدأ غضبي..أو ربما فكرتُ في داخلي أن استشعار تقدير الناس في تلك اللحظات قد يُضعفني، وأعلن استمراري في الملاعب وعدم استلام الوظيفة. هذه المرة سيسعدني التقدير. لكن ما أشعر به كافٍ لدرجة تجعلني لا أنتظره. لا أعرف هل سأعود إلى الحياة السابقة أم سأستمر على هذا الوضع. إنما أؤجل التفكير في مثل تلك القرارات المصيرية لما بعد اللحظات التي أشعر فيها بالألق. تلقيتُ عرضًا لتدريب فريق طنطا في السنة القادمة، ربما أفعل ذلك. طنطا ليست بعيدة، وهم يريدون مني أن أصنع فريقًا جديدًا. سيتعين عليًَ أن أبدأ الرحلة من الصفر. البحث عن لاعبين جدد يلعبون في الشارع..إقناع اللاعبين بشخصي..إقناع المشجعين بالفريق. وهكذا. خطوة صعبة ومليئة بالملل. لكنها أفضل من البقاء في مكتب المجلس المحلي بالتأكيد. إن من عاش حياته في المنافسة على الهبوط، لن يطمئن حين يعيش في الوسط، ذلك الأدرينالين الذي تفرزه تلك اللحظات الصعبة، هو ثمن يدفعه سعيًا للوصول للقمة يومًا ما، أو الاكتفاء بالنجاة.

