المنافسة على الهبوط
خدمة غير قابلة للرد (2)
لأتمكن من حكي ما حدث بعد المكالمة الأخيرة، فعليَّ أن أحكي قصة المكالمة الأولى التي أبعدتني عن الملاعب. ذات يوم في شتاء عام 94 كنتُ عائدًا للبيت بعد تمرين على الملعب الترابي المبتل بفعل المطر الذي مر عليه حوالي أسبوع تقريبًا، لكنه رغم ذلك لم يجف من أرض الملعب. التراب من الصعب تجفيفه. لدينا ملعب آخر من العشب، أو معظمه من العشب إذا شئنا الدقة، حيث تكثر فيه الحفر الترابية، لكنهم يوفرونه دائمًا للمباريات. دخلتُ مباشرة إلى الحمام حتى لا أترك فرصة للطين كي يتساقط على أرضية الصالة، مما يترك فرصة لأمي للعن الكرة أكثر مما تلعنها في العادة. ملأت الطست بالماء ووضعت مسحوق الغسيل عليه، ثم خلعت ملابس التدريب ورميتها فيه كي أشطفها، وأعطيها فرصة للجفاف قبل تمرين الغد. وبدأت صب الماء البارد فوق رأسي بالكوز ودعك جسدي. الجو بارد لدرجة لا تُحتمل معها برودة الماء، لكني لا صبر لي على تسخين الماء فوق الوابور والانتظار بجسدي المتسخ بالطين. انتهيتُ وجففتُ جسدي وخرجتُ من الحمام. سمعتُ أمي تتحدث في الهاتف وتقول للمتكلم على الطرف الآخر:
-خد أهو طلع من الحمام ومعاك أهه!
-أزيك يا أيمن؟
-تمام..
لم أسأله عن أحواله لأني لم أستوعب بعد من يكون.
-مش فاكرني؟!
-مين؟
-أنا عمك عبد الجواد..
لا أكره شيئًا في بلدتنا سوى أولئك الذين يفرضون أنفسهم بـ”عمك”، ذلك اللقب الذي إذا لم يُعط لك، لا تحاول استلابه.
-عبد الجواد مين؟
ذكرني بنفسه أنه شقيق زوجة ابن خال أمي الذي زارنا قبل حوالي شهر. أتذكر زيارته بالتأكيد. ولكن لعدم اهتمامي بالحدث، نسيتُ حينها السؤال عن اسمه. ظننته لن يتكرر في حياتي مجددًا، فلا داعي لحفظه.
-أنا عندي لك شغلانه حلوه أوي.
-أمم
-ليا واحد حبيبي عضو مجلس شورى، قالي إنه يقدر يعينك في المجلس المحلي.
-تمام
أفهم بالتأكيد أن من ضمن نطاق القدرات الخارقة لعضو مجلس الشورى أنه يستطيع تعيين شخص في مجلس المدينة، خاصة إذا كان يحمل مؤهلًا مرتفعًا، وليس خريجًا لمعهد، أو اكتفى من التعليم بالإعدادية، ولكن ما لم أستوعبه حينذاك، هو لماذا سيسعى عضو مجلس الشورى لتقديم هذه الخدمة غير القابلة للرد لي؟! سألته:
-طب وإيه المطلوب؟
-حاجات بسيطة..المهم أنت ورقك جاهز؟
-ورق إيه؟
-عايزين مستخرج من شهادة الجامعة، وشهادة الجيش، وفيه كمان كشف طبي أي كلام كدا.
كانت تلك الأوراق كلها موجودة لدي. فلم يمر وقتٌ طويل على استلامي للملف الذي يحتوي على أوراقي من التجنيد، وبه كل تلك المستندات، بالإضافة لشهادة إنهاء الخدمة. وبخصوص الكشف الطبي ال”أي كلام” لم أكن قلقًا، فأنا ألعب الكرة، صحيح أن الكشف الطبي الذي يقدمه لنا النادي كل بداية موسم هو الآخر “أي كلام” لكن من البديهي أن يكون الكشف الطبي للاعب الكرة أكثر تعقيدًا من الكشف الطبي للموظف. الشيء الذي لم أفهمه حتى الآن، ما هو السبب؟
إذا كان تعييني يتطلب تلك الأوراق فقط؟! فحوالي ربع سكان البلدة يمتلكها. لكني كنتُ عائدًا من التمرين مجهدًا من الدخول في نقاش، خاصة مع قريبٍ لا أعرفه يُلقب نفسه بـ”عمي”
بعدها بحوالي عشرة أيام تكشفت لي الحقيقة وعرفتُ من أمي أنه طالبها بمبلغ مالي نظير تلك الخدمة، وهي أعطته ما تبقى من ذهبها في مقابل ذلك. حينذاك عنفتها بشدة، أمضيتُ الأيام والليالي ألومها على تفريطها في كل ما تملكه تقريبًا، وهي على الحال نفسه:
-عايزه أطمن عليك قبل ما أموت..
حاولتُ كثيرًا شرح أنه في الغالب احتال عليها لسرقة الذهب، لكني لم أفلح في ذلك. ولم أجرؤ على قوله صراحة حتى لا أكسر بخاطر نواياها الطيبة.
بدأنا الموسم بمباراة مع جمهورية شبين في ملعبهم، امتلأت المباراة بالضرب والسقوط والنهوض، كنتُ ألعب تحت المهاجم مما يعرضني للضرب أكثر من زملائي، خرجتُ دائخًا من المباراة قبل نهايتها بعشرة دقائق، أعطاني زملائي مية بسكر كي أصلب طولي، ولم أسمع سوى صفارة الحكم وهو يصفر بانتهاء المباراة دون أهداف.
كنتُ أعود للبيت بعد كل مباراة وجسمي مُكسر. ربما لم تعد داخلي تلك الطاقة القديمة للعب. لا أعرف ما الذي حدث لي؟! يقول المدرب لي في جلسات تعنيف اللاعبين جهرًا على مسامع الجميع:
-أنت نسيت الكورة في الجيش!
ابتلع لساني ولا أرد عليه. أتذكر فقط أنني خلال فترة الجيش ربما لعبتُ أفضل كرة لعبتها في حياتي. منذ دخولي إلى الجيش وأنا أكره بشده حمل السلاح وتنظيفه والوقوف في الخدمات، في ظهيرة صيفية قائظة وكنتُ أحمل السلاح وأقف به على ملعب كرة القدم حيث يلعب الضباط. خرج أحدهم بسبب استدعائه من قائده. ناداني ضابط آخر من الملعب:
-تعرف تقف جون؟
لم أكن أحب حراسة المرمى بالتأكيد. لكنها على الأقل أهون من حمل السلاح وحراسة شيء لا تفهمه. كان السلاح مُقدسًا آنذاك ومُحرمًا عليك تركه في أثناء الخدمة. أخذته معي ووضعته في المرمى. لم أكن حارسًا جيدًا ومن خلال مراقبتي للعب لاحظتُ أن معظمهم “لعبه على قده”. سدد أحدهم كرة نحوي فاستلمتها على صدري وذهبتُ بها للمرمى الآخر مراوغًا للجميع حتى أسكنتها في الشباك. تلقيتُ الأحضان من كل من لعبوا معي متناسين آنذاك فارق الدرجة الذي تذكره خصومنا في الملعب. حيث أمرني ضابط يلعب في الفريق المنافس قائلًا:
-روح سلم سلاحك وبات في السجن النهارده.
وذلك بسبب تركي للسلاح في المرمى وحده مما يضعني في مصاف المهملين لأداء خدماتهم. قضيتُ تلك الليلة في السجن المظلم ألعنه، كنتُ عاريًا تمامًا سوى من لباس أبيض، ورغم ذلك فالزنزانة خانقة، تواجهني فيها صعوبة شديدة في التنفس نتيجة الرائحة القذرة والحرارة المرتفعة. خرجتُ من السجن في اليوم التالي، وكان الضابط الذي حبسني هو نفسه في استقبالي:
-اتعلمت الدرس كويس؟
هززتُ رأسي. ألقى بالشنطة التي يحملها في يده إليَّ، وقال:
-دي عهدتك من دلوقتي.
فتحتها وكان بداخلها شورت أبيض وتيشبرت أزرق. ضّمني إلى فريق كرة القدم الخاص بالكتيبة. ومنذ ذلك اليوم لم أحتج، وحتى انتهاء خدمتي لم أحتج لحمل السلاح مجددًا.
لا أملك ردًا على مدربه. لم أعتد الرد باللسان، أعتدتُ الرد في الملعب. وأدائي لم يرد عني في تلك الأيام.
المباراة الرابعة في الموسم كانت على أرضنا في كفر الزيات أمام المنصورة. كنا سيئين للغاية. كان الملعب ممتلئًا بالجماهير عن آخره. في تلك الأيام لم تكن الجماهيرية للأهلي والزمالك فقط، كانت جماهيرية الأهلي والزمالك على التلفزيون وفي الأفلام ومعظم الجرائد. ولكن الملاعب تمتلئ بأهل البلد دائمًا خاصة في تلك المباريات الممتلئة بالغيرة بين الجماهير أي البلدان تُقدم كرة قدم أفضل. لم أكن سيئًا لكننا خرجنا خاسرين في الشوط الأول، عنفني المدرب بشدة بين الشوطين واستبدلني بزميل آخر، علاء حماده، لاعب قديم يكبرني بحوالي عشر سنوات. عندما كان في سني وكنتُ أمارس الكرة في الشارع فقط، كنت أذهب لمشاهدته أسبوعيًا. لم أغضب وجلستُ على الكراسي البلاستيك في الخارج أشاهد الشوط التاني. شاهدت المباراة من على الدكة وكأنها هلاوس، أرى لاعبًا يركض ثم يلتحم بلاعب قادم من الاتجاه الآخر محدثين انفجارًا من الغبار، ثم تسديدة من هنا لهنا خلفها دخان. بدأت جماهيرنا الغاضبة في الصفير وحرق ورق الجرائد مما زاد من توتر الكابوس. لم أشعر أنني استعدتُ تركيزي سوى عندما رأيت علاء يرتطم بالأرض ويسقط محدثًا آهة أوقفت كل صراخ الملعب من جلالها. شعرتُ أنني أتنفس بصعوبة، لأول مرة خلال لعبي لكرة القدم، أشعر بهذا التعب، الغريب أنني كنتُ على الدكة. انتهت المباراة بخسارتنا، وخرج علاء مصابًا وشعرتُ أنها إصابة من النوع الذي يأتيك في العمر مرة واحدة، لأنك ببساطة قد تتوقف عن اللعب بعدها، وكان حدسي صحيحًا، فقد أصيب بقطع في الرباط الصليبي.

