المنافسة على الهبوط
لم أعتزل فقط توقفت (1)
عندما تلقيتُ تلك المكالمة، لم أكن مستعدًا لها. ولذلك لم أبدِ الفرح المتوقع بها، وبالتأكيد لم أُبدِ حزنًا. اقتصر رد فعلي فقط على الارتباك.
كنتُ أمارس عملي الممل في مجلس المدينة، أوقع أوراقًا لا أعرف سوى القشور عما بداخلها. منذ توظفتُ في هذا المكان وأنا أفعل الشيء ذاته، مر عليَّ حوالي 15 إلى 18 سنة، لا يمكنني التذكر. إنها تلك الأيام التي توقفتُ فيها عن ممارسة كرة القدم. لم أعتزل، فقط توقفت.
سأحكي القصة من البداية، وسنعود كثيرًا للبدايات، لأنني لا أعرف بداية لما سأحكيه. بدايتي مع الوظيفة يمكننا أن نقول أنها بدأت منذ زارنا ذلك الرجل في المنزل. قريب لأمي، لا يمكنني حتى الآن تحديد كنه قرابته لنا. شقيق زوجة ابن خالها أو شيء من هذا القبيل حسب ما أتذكر. كانت تلك أول مرة أراه فيها، لأنها أول مرة يزورنها فيها أحد منذ زمن، لكنه فيما بعد سيؤكد لي أنه رآني عدة مرات في سنوات سابقة، أنا فقط من لا أتذكره. باركَّ لي على انتهائي من الخدمة العسكرية، ثم سألني بعدها مباشرة:
-وناوي على إيه كدا؟!
كنتُ قد أنهيتُ الخدمة العسكرية قبلها بأيام ولا يأتي في بالي شيء أفعله:
-لسه بفكر.
-أنا سمعت إنك لسه بتلعب كورة
هززتُ رأسي بالإيجاب، لا حاجة بي لمعرفة ممن سمع، كنتُ تقريبًا أشهر لاعبي ذلك الوقت. لم أكن الأشهر في العالم بالتأكيد. لأن أخبار عودة مارادونا للعب تملأ الصحف. ولم أكن الأشهر في مصر لأن الجرائد الرسمية الأربعة بكل صفحاتها الرياضية لا تكفي لتغطية أخبار التؤام حسن بإنجازاتهما العظيمة ومشاجراتهما مع اللاعبين والمدربين. كنتُ أشهر لاعبي كفر الزيات. المدينة الصغيرة الملاصقة لطنطا، لكنها لا تُضاهيها في الأهمية أو الشهرة، رغم ما بها من مواهب. عمري آنذاك واحد وعشرون عامًا، تقريبًا أصغر لاعبي الفريق في ذلك الوقت، وأكثرهم موهبة باعتراف الجميع، جميع من تسنى له فرصة مشاهدتي بالتأكيد. حيث لم تكن مبارياتنا مذاعة، والراغبون في المشاهدة لا سبيل لهم سوى القدوم إلى الملعب.
-أنا شايف دلوقتي بما إنك خلصت جيش خلاص تفكر في مستقبلك..الكورة حلوه بس خلاص كانت فترة..لازم تعمل حاجة تانية تخليك تعرف تشيل بيت..والكورة خليها لوقتها.
هززتُ رأسي. لم أبدِ موافقة أو رفضًا على حديثه غير الجديد على مسامعي. الكل يتحدث بهذه اللهجة. لكن نادرًا ما ستجد من يخبرك بما عليك أن تفعله. كان الكل يريدني أن أترك كرة القدم، لكن لا أحد أخبرني أتركها إلى أين؟!
فضلتُ تمرير الوقت لحين شرب قريبنا ذاك كوب الشاي ورحيله، وهو ما حدث بالفعل، قال لي وهو يغادر:
-ابقى فكر في الكلمتين اللي اتكلمناهم لحد ما نقعد تاني..
-حاضر
سايرته بالكلام فقط وأنا أدرك أننا ربما لن نلتقي ثانية. هو نفسه يقول إنه رآني كثيرًا في سن أصغر، لكني لا أتذكره..ربما سيمضي وقت طويل حتى أراه مرة أخرى وحينها أيضًا لن أتذكر هذا اللقاء. لكني اليوم أتذكره بعد مرور تلك السنوات بسبب المكالمة التي تلقيتها خلال العمل. جاء الساعي ليناديني ويخبرني أنه تلقى مكالمة، وأخبره المتصل أنه يريدني، أشرتُ إلى صدري، وسألته “أنا؟!” لم يسبق لأحد أن أتصل بي في هذا المكان، ولا أظن أني أعطيت رقمه لأحد. إنه المجلس المحلي، تقريبًا البلدة كلها يمكنها معرفة رقمه بسهولة، ولكن يظل سؤالي عن هوية المتصل وما يريده. أمسكتُ السماعة في انتظار أن يخبرني المتصل أنه يريد شخصًا آخر، وأخبرته:
-أيوه أنا أيمن شعبان. مين معايا؟
-أنت متعرفنيش بس أنا أعرفك.. أنا اسمي أمين..أمين المراسي
-مين حضرتك؟
-هقولك بس مش هينفع في التليفون..لازم نتقابل.
-طب أفهم بخصوص إيه؟!
-عايزك معايا مدرب..
-مدرب إيه؟
-هندرب فريق المالية مع بعض.
لم أفكر كثيرًا في العرض. لم أفهمه ببساطة. ظننته المتصل يتعمد المزاح.
-هشوف وأرد عليك..

